شعار قسم مدونات

فاظفر بذات الكتاب

blogs - reading
يحكى عن "مالك بن نبي" قصة طريفة في أمر اختياره شريكة الحياة، فقد كان يتردد على مكتبة، وكان كلما سأل القائم على المكتبة عن أحد الكتب، أخبره أن إحدى الآنسات قد استعارته! وكثرت منها ومنه هذه المسألة، فلم يجد بدا من المسارعة إلى التعرف عليها، ومن ثَم اتخذَها زوجة! 

لست أدري صحة هذه القصة من عدمها، إذ إنني لم أجدها في سيرته الذاتية الموسومة ب"مذكرات شاهد للقرن" وعدم ورودها هناك لا يحيل إلى تهافتها أو عدم إمكانيتها على كل حال. قلت: إنها قصة طريفة، طريفة جدا، فأن تجد شريكة حياة يهُمها الكتابُ أكثر مما يهمها مسحوق التجميل، وطلاء العينين! وأكثر من عشقها لصندوق أحذيتها، وخزانة ملابسها، ومرآتها المبهرجة، فأمر صعب وليس بالهين في هذا الزمن الغريب المعتوه المشوه.

لا تلهج أخيرا بالسخط والتذمر؛ لأنك نظرت فوجدت فوضى عارمة، لا أكل في صفته المحمودة! ولا ثياب نظيفة في أوانها المعهود! بل مجرد أوراق وأقلام وكتب وخواطر!

وإن هذا الأمر ليعني الكثير، إذ إنك لن تذوق سُمَّ المرارة من تلك المعاناة التي نسمعها عن مفكرين وأدباء وكتاب وعلماء، أقدموا على مخاطرة رهيبة بجمع المرأة والمكتبة تحت سماء منزل واحد! حيث يُخيرُ الواحد منهم في أغلب الأحيان بين زوجه والمكتبة، وهما في منزل أحدهم بمنزلة الضرتين، لسان حال كل واحدة منهما: "لا أرضى أن أجتمع بها تحت سقف واحد! هي أو أنا، وليكن ما يكون!"

والعاشق لكتبه بين نارين، فإن أرضيت إحداهما سخطت الأخرى وتذمرت وأجهشت بكاء وعويلا، وهذه الحال ميؤوس منها إلا بموت يحيق بإحد الثلاثة، بالزوجة أو بالمكتبة أو به! وبين كل هذا شقاء وعذاب، وصراخ صبياني مزعج! كل هذه السلسلة السريالية المتعبة لن تقف في وجه مالك بن نبي ولا بأشباه مالك بن نبي، إذ حصولك على امرأة على صداقة دائمة مع الكتب، هو أمر -لعمري وعمرك وعمرُ الكتب- دونه خرط القتاد، وهو مرمى تضرب في سبيله أكباد الإبل ارتحالا! فاظفر بذات الكتب تربت يداك وازدهرت مكتبتك بأقل جهد ممكن!

واعلم أنه بدل أن تمكث سحابة نهارها ومدلهم ليليها في الثرثرة بالكلام الفارغ عن هراء الكتب، وأفيون الموضوعات، وحشيش الأفكار، وهلم مخدرا، ستدفن هي الأخرى وجهها في بطن مجلد من تلك الكتب الصفراء، ولن ترفع رأسها منه إلا والظهر هلالي لإمعان الانحناء، وأنت في عشك الدافئ كلما تعبت نفسك من مزاولة النظر في معنى الحرف، ومعالجة الفكرة، وسبر خفايا الأسلوب، حانت منك نظرة إليها، فخفق القلب لمحراب الجمال، وسبَّح اللسان لجلال اللوحة الفنية الحية، فتقر العين وتسكن الروح، ويُشكرُ الله على نعمائه وفضائله.

وإياك أن تأتي بها جاهلة جهلا بسيطا أو مركبا، فالقانون لا يحمي المغفلين، والزواج هنا لا يحمي المغفلات ولا الجهلة! قلت: إياك أن تأتي بها بهذه الصفة، ثم تسول لك الأماني الخداعات أنك ستزرع في نفسها بجانب من الذكاء وتحرٍّ من الحذق حب القراءة، فإن ذلك مما لا يكون، ومتى رأيت ضرتين اجتمعتا على الألفة والوئام، بعد وحشة وغربة؟!

بجمع المرأة والمكتبة تحت سماء منزل واحد!  يُخيرُ الواحد منهم في أغلب الأحيان بين زوجه والمكتبة، وهما في منزل أحدهم بمنزلة الضرتين.ا

من الصعب إذا الإنسان شب عن الطوق -إن لم يكن محالا- أن تستمكن منه صفة الحب هذه وقد انتصف به العمر أو يكاد، ولله در الحكمة: "تعلمك في الصغر كالنقش على الحجر "لمَ هذا؟ وما السر فيه؟ لأنه بسذاجة البساطة، صادف قلبا خاليا فتمكنَ. ثم إنك لم تأت بها شريكة حياة لتعيد تربيتها من أول البدء، ولا أتيت بها موظفة عندك؛ لتملأ لها استمارة من المنهيات والمباحات والمحرمات وهلم أمرا؛ بل إنك ما أتيت بها إلا لتكون لك سندا في مواصلة المشوار الدامي.

ثم إنها لم تجىء إليك لتشرح لها دروسا في المبتدأ والخبر والنكرة الموصوفة، أو درسا في الفكرة والوهم! بل إنها جاءت لتبنيَ برفقتك عشا سندُها فيه أنت والمحبة والدفء.. فإن فزت ونلت المنى وأتيت بها مجنونة كتاب! فلا تلهج أخيرا بالسخط والتذمر؛ لأنك نظرت فوجدت فوضى عارمة، لا أكل في صفته المحمودة! ولا ثياب نظيفة في أوانها المعهود! بل مجرد أوراق وأقلام وكتب وخواطر وفِقرات، ثم…! ثم ماذا؟ ثم إنها أتتْ إليك بصفتها زوجا لا خادما!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.