خمس دقائق فحسب

blogs - كتاب هبة الدباغ
هل سبق لك وأن رغبتَ في احتضان صوتٍ عند سماعه؟ هذا ما رغبت به عند سماعي لصوت هبة الدباغ لأول مرة، والتي تروي قصة اعتقالها في كتاب خمس دقائق فحسب… تسع سنوات في السجون السورية من خلال مداخلة لها لتروي جزءاً من هول ما عايشته في ظل الاعتقال، لعل رغبتي هذه جاءت مما شعرت به عندما قرأت قصتها خلال ليلة واحدة فقط غير مهتمة بعدد الصفحات التي قرأتها وأنا أذرف الدموع خلال قراءتي لها، لأنني كنت مدركة حينها أن تلك السطور التي تصف كمية الخوف والحزن وعزة النفس التي لم تفارقها على الرغم مما عايشته خلال فترة الاعتقال، وتلك الأساليب الوحشية لا تزال تمارس على أناس كثر في هذه اللحظة.

إن الكتاب يتناول قصة هبة الدباغ السيدة الحموية التي تعرضت للاعتقال لمدة تسع سنوات في السجون السورية، وتجري أحداث القصة في الثمانينيات وتعاصر مجزرة حماة، هبة آنذاك لم يكن لها ذنبٌ عظيم ولكنها اعتقلت كرهينة بدلا عن أخيها الذي استطاع الفرار.

لم تكن تعرف طالبة الشريعة في جامعة دمشق بما ينتظرها عندما داهم الأمن الشقة التي تسكن فيها مع زميلاتها الطالبات في حي البرامكة الدمشقي في إحدى ليالي ديسمبر الباردة، تقول إنهم طلبوا منها إبراز هويتها، وكان من بينهم شاب في مقتبل العمر افترضَت بأنه مجرد شاب في ظل خدمته العسكرية الإلزامية كما هو مفروض على كل الشباب السوريين في سن معينة، وعندما أمسك هويتها انسابت الدموع من عينيه، وقال لها بعين الله يا أختي، فقالوا لها حسبما أتى في الكتاب "ﻫﻴﺎ ﺍﺭﺗﺪﻱ ﻣﻼﺑﺴﻚ ﺳﺘﺬﻫﺒﻲ ﻣﻌﻨﺎ ﺧﻤﺲ ﺩﻗﺎﺋق ﻭﺣﺴﺐ"، وتقول هبة … ﻟﺒﺴﺖ ﺟﻠﺒﺎﺑﻲ ﻓﻮﻕ ﻏﻄﺎء ﺻﻼﺗﻲ ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻣﻌﻲ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻨﻘﻮﺩ، ﻓﺄﺭﺩﺕ ﺃﻥ ﺃﻋﻄﻴﻬﺎ ﻟﺼﺪﻳﻘﺎﺗﻲ، فقال ﻟﻲ "ﻻ ﺩﻋﻴﻬﻢ معك ﻓﺮﺑﻤﺎ ﺗﺤﺘﺎﺟﻴﻨﻬﻢ"، ﻗﻠﺖ ﻭﻗﺪ ﺑﺪﺃﺕ ﺃﺳﺘﻌﻴﺪ ﺑﻌﺾ ﺗﻮﺍﺯﻧﻲ، لن ﻳﻠﺰﻣﻮﺍ ﻟﻲ، ﺃﻧﺖ ﺗﻘﻮﻝ خمس ﺩﻗﺎﺋﻖ ﻓﻜﻴﻒ ﺳﺄﺣﺘﺎﺟﻬﻢ؟ هذه الخمس دقائق تحولت فيما بعد إلى تسع سنوات، وكما هو متعارف عليه، يحاول السجانون أن يرغموا المعتقل على الاعتراف بذنب لم يرتبكه، وفي النهاية يتم إلصاق التهمة التي تناسب رغباتهم.

كل قصة جديدة تُروى من أدب السجون، يكتشف فيها القارئ فناً جديداً من فنون التعذيب يجعلك تراجع إنسانيتك للحظة وتشعر بالصِغر أمام هؤلاء المعتقلين، وتدرك بأن همومك السطحية مهما تعاظمت لن تكون بهَول فقدانك للحرية لأجلٍ غير محدد،

هبة التي تنقلت بين فروع الأمن والسجون، سوف تلتقي مع والدتها وتصبح زميلتها في الاعتقال في وقت لاحق من القصة، ليتم الإفراج عنها وتعود إلى حماة مفارقة ابنتها ذات المصير المجهول، وتستشهد مع زوجها والد هبة وإخوتها في مجزرة حماة عام 1982، والسبب أن والد هبة تناقش مع عنصر الأمن للحصول على بعض الطعام لأبنائه وجاءه الرش بالسلاح جواباً على طلبه.

تصف لنا هبة سُبل النجاة والتأقلم خلال هذه المرحلة المؤلمة من حياتها، والتي كانت بعدة مظاهر منها؛ التواصل مع المعتقلين الذكور عندما يتنسى لها ولزميلاتها النظر من خلال شق في الباب للنظر إليهم عند خروجهم لعل واحدة منهن تلمح أخاً أو أباً أو زوجاً، واكتشفن أيضاً فتحة للتدفئة تم استخدامها كصلة وصل بينهن وبين المعتقلين، فطلبن أنبوب ماءٍ للحمام بينما كان الهدف الحقيقي لهذا الطلب هو التحدث مع المعتقلين أو لتمرير الماء لهم، حيث إنه لم تتوافر المياه في باقي المهاجع إلا في مواعيد محددة عدا المهجع الذي مكثت فيه هبة، وحتى بعد قيام معتقلة بالوشاية بهن وسد الفتحة بالإسمنت أصبحن يتواصلن معهم من خلال الطرق على ذات الأنبوب، هو الإنسان مهما حاصرته بأسباب الموت سيجد سبيلاً للحياة وخاصة عندما يتبنى قضية فيصبح لحياته معنى.

ستكتشف هبة بأن أخاها معتقل أيضا في ذات الفرع، ولكنها ستخفي ذلك عن والدتها، إلى أن تشاء الأقدار وتُنقل والدتها إلى ذات الزنزانة التي مكث فيها أخاها وتكتشف والدتها ذلك من خلال رسمٍ لمسجد محفور على الحائط وتحته عبارة لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد… الشهيد محمد وارف الدباغ.

وصفت هبة يومياتها بدقة وجعلتني أعيش أدق التفاصيل؛ كالتضامن الذي كان بين المعتقلات وتبادلهن المعاناة، والتعاون على الإضراب عن الطعام كلما سنحت لهن الفرصة، ومن أكثر المشاهد التي أثرت في نفسي، تواجد الاستثناء بين السجانين الذين عاملوها برأفة وساعدوها من خلال إمدادها باحتياجاتها الخاصة كأنثى أو أفشلو محاولات للتعدي عليها من قبل بعض الذئاب البشرية التي تقبع في ذلك العالم، ووصف حالها كمعتقلة عانت الأمرين نفسياً وجسدياً تنظر مستغربة إلى استمرار الحياة خارج هذه الفروع التي تنقلت فيها وكأنها تتواجد في عالم آخر لا يعرفه البشر، أو اتخذوه الناس كقصة رعب يهددون بها أي شخص يجرؤ على كسر حاجز الصمت والظلم، واقتبس عن هذا المشهد التالي: 
ﻭﺟﻌﻠﺖ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﺗﺨﺘﺮﻕ ﺃﺣﻴﺎء ﺩﻣﺸﻖ ﻣﺘﺠﻬﺔ ﻧﺤﻮ ﻗﻠﻌﺘﻬﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻮﺳﻂ ﺃﺣﻴﺎءﻫﺎ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ، ﻭﻭﺟﺪﺕ الناس ﻛﻞ ﻓﻲ ﺷﻐﻠﻪ ﺑﻴﻦ ﺑﺎﺋﻊ ﻭﻣﺸﺘﺮﻱ، ﻭﻃﺎﻟﺐ ﻭﻋﺎﻣﻞ ﻭﻣﻮﻇﻒ ﻭﺗﺎﺟﺮ، ﻛﻠﻬمﻏﺎﺭﻗﻮﻥ ﻓﻲ ﺩﻭﺍﻣﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻳﺸﻐﻠﻬﻢ ﺗﺄﻣﻴﻦ ﺍﺣﺘﻴﺎﺟﺎﺗﻬﻢ ﺍﻷﻭﻟﻴﺔ ﻋﻦ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﺮﻱ ﺑﻴﻨﻬﻢ دون أن ﻳﺒﺼﺮﻭﻩ ﺃﻭ ﻳﺴﻤﻌﻮﻩ، ﻭﺗﺮﻫﻘﻬﻢ ﻣﺸﻘﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻋﻦ ﺃﻥ ﻳﻠﺘﻔﺘﻮﺍ ﻟﻴﺘﻔﻜﺮﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﺃﻳﻦ ﺗﻤﻀﻲ ﻗﺎﻃﺮﺓ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﺑﺎﻟﻮﻃﻦ.
 
والمشهد الذي تصف فيه سماعها لتكبيرات العيد وهي في المنفردة، وما يؤلم في قصتها أنه تم الإفراج عن هبة الدباغ عام 1989، ولكن لم تجد أحدا من أفراد عائلتها في استقبالها على أثر استشهادهم في أحداث حماة.

إن هذه القصة قد كُتبت بأسلوب سلس وبما أنها كُتبت بشهادة سيدة، كانت في أعماق هذا البحر المظلم فإنها بلا شك قد وظفت جميع حواسها لكتابة القصة. القصص والشواهد عن تلك الزنزانات لا تنتهي، ومع كل قصة جديدة تُروى من أدب السجون، يكتشف فيها القارئ فناً جديداً من فنون التعذيب يجعلك تراجع إنسانيتك للحظة وتشعر بالصِغر أمام هؤلاء المعتقلين، وتدرك بأن همومك السطحية مهما تعاظمت لن تكون بهَول فقدانك للحرية لأجلٍ غير محدد، ومصير مجهول، لا سيما بأن هذه الأساليب لا تزال تمارس إلى يومنا هذا بل بطريقة أبشع مما كانت عليه من الماضي، وبوحشية تهز الوجدان من هولها.