شعار قسم مدونات

حينما ندّعي الحقيقة!

مدونات - نقاش
يجلس جلسة الواثق بنفسه، الملم بتفاصيل الموضوع من كل جوانبه وأبعاده، العارف بمبتدئه ومنتهاه، المستشرف لمستقبله ومآلاته، يتحدث بلغة من يملك الحقيقة لا يجاريه فيها أحد، ولا يناقش فيها حر أو عبد! عند هذه النقطة تأتينا الشجاعة في التمادي لندعي أننا نحتكر الحقيقة وحدنا، ونبدأ عندها رحلة المعاناة مع جهلنا المضاعف، إذ ندعي أننا نعرف ما لا نعرف!

سجالات بطولها وعرضها تبدأ ولا تنتهي لأن أحد طرفيها قرر أنها لعبة مكاسرة لا يمكن لأحد أن يكسره فيها، ونقاشات تمتد لساعات الفجر لتنتهي في نقطة غير التي ابتدأت منها تماماً، فقط لنثبت أننا عارفون، وفي الواقع لا نكون سوى مدعين لحقيقة لم نتجاوز بأفهامنا عتبات شواطئها.

"الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ"، عندما لا نتوقف عند الحق لأنه حق، وانما نتمادى ويتزايد تمادينا حفاظاً على الترتيب الخارجي لمظهرنا أمام الناس، كي لا نظهر بمظهر المهزوم، المتراجع عن آرائه ومواقفه. "ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري"، شخصياً أشفق على هذا النوع من الرجال، إذ يعيش في عالم يظن فيه أنه عارف زمانه وعلامة عصره، وينافح عن آرائه كأنما هي البرهان القاطع، والدواء الشافي لما عند الناس من أدواء. وسواء اختلفنا على رفضه أو تعليمه، إلا أننا نتفق جميعاً على أنه جاهل لا رصيد له من العلم الذي يدعيه.

استخدام كل وسائل الدفاع عن الفكرة بعجرها وبجرها، دون التمحيص والتدقيق في كلام الآخرين لهو قمة السخف التي تهوي بنا وبكلامنا إلى قاع الاحترام في عيون من يقرؤون لنا ويتابعوننا.

لم تتركنا وسائل التواصل الاجتماعي وشأننا، بل كشفت عن داء اجتماعي يصيب بعضنا في منهجية التفكير والتواصل، إذ أخرجت كل أمراضنا إلى العلن لتكون على مرأى من الجميع، كل الجميع، إلا أنفسنا.
 

لا يخطر ببالنا ونحن نكتب التدوينة أو الحالة أن كلامنا يحمل نسبة من الخطأ والصحة، وأننا بقدر ما ينبغي أن نكون سعداء بحفاوة الناس بالقدر الصحيح منها، علينا أن نهيئ صدورنا لتكون متسعة لحجم النقد على الخطأ فيها أو سوء الفهم من قبلنا أو قبل غيرنا لما تحمله من أفكار. فإذا ما وصلنا إلى هذه المرحلة من التفكير كنا طلاب علم ومتتبعي حقيقة. أما استخدام كل وسائل الدفاع عن الفكرة بعجرها وبجرها، دون التمحيص والتدقيق في كلام الآخرين لهو قمة السخف التي تهوي بنا وبكلامنا إلى قاع الاحترام في عيون من يقرؤون لنا ويتابعوننا. وكما قال الإمام الكرجي القصاب: "مَنْ لَمْ يُنْصِفْ خُصُوْمَهُ فِي الاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُهُ، وَأَظْلَمَ بُرْهَانُهُ".

رحم الله من أسس لمنهاج "قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب"، إذ أنصف نفسه وغيره، ووضع ذاته وذات غيره تحت ذات المنهجية في التقصي والبحث، وصولاً إلى خلاصة علمية وعملية يستفاد منها، بدلاً من التعنت والتمترس خلف آراء تغشي عين صاحبها ويعجبه جميل ألوانها فلا يعود يرى غيرها.

كثيراً ما قرأنا لعلماء تكلموا في السابق عن آراء لهم ثم تراجعوا عنها لاحقاً، وكلنا يعرف حقيقة عظماء كبار غير التاريخ مسيرة حياتهم من طرف إلى طرف، وهم في طريقهم نحو البحث عن إجابات لأسئلة لطالما أرقتهم، وحرمتهم الراحة. وهذا هو الفرق بشكل جلي بين الباحث عن الحقيقة، الراكض في سبلها وطرقها، وآخر مدعٍ للحقيقة أعجبه بريقها ومنعته نفسه وكبره من فهم أبعادها وسبر أغوارها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.