المازوخية السياسية

أدوات تعذيب

ربما لعقُد واضطرابات فى الشخصية، أو محاولات لكبت بعض الأفكار الغريبة أو الغير اعتيادية، وقد ترتقي أحياناً لتكون أفكار شاذة، يتولد هذا الانحراف النفسي والتشوه السلوكي، والذي يسمى بمرض "المازوخية"، ويتميز المصابون بهذا المرض بالخضوع والاستمتاع بالاضطهاد والإهانة والألم النفسي، وصولاً إلى الاستمتاع بالألم الجسدي، والذي يؤدي أحياناً إلى الموت.

يُنسب هذا المرض للروائي النمساوي "ليوبولد مازوخ "، والذي كان بدوره يعانى من نفس هذه الأعراض. في البداية ارتبط هذا المصطلح بالجنس، واستخدمه رواد الطب النفسي في تفسير كثير من مظاهر انحراف الطبيعة البشرية، لكن سرعان ما انتقلت تلك العدوى إلى ميدان السياسة، فأصبحنا نرى نماذج لتكتلات سياسية، سواء كانت أحزاب سياسية أو جماعات إصلاحية، أو حركات ثورية اعتادت تبني خطاب المظلومية والبكائية!

حتى عندما سنحت لبعض تلك الكيانات التي أدامت الجلوس في مقاعد المعارضة المضطهدة الفرصة لكي تطرح مشروعها وتُمسك بزمام الأمور، لم تتخلى عن خطابها الكربلائي الذي اعتادت عليه، وكأنها تستمتع وتتلذذ بتلك الحالة من الخنوع والاستسلام والشعور بالقهر! لقد تحولت تلك الحالة عندها إلى مازوخية ملازمة لها لا تنفك عنها.

ومن ناحية أخرى يَستغل الحكام المتسلطين الديكتاتوريين وجود تلك المازوخية، إن لم يكونوا هم صانعيها، فيقومون بتغذيتها، ويسعوا إلى أن تتفشى في باقي التكتلات السياسية التي لم يصل إليها المرض بعد، وحينها تقوم السلطة -المتسلطة- بدور السادي، وتقوم الكيانات السياسية المعارضة بدور المازوخي، وهنا تنشأ حالة من الانسجام بينهما، وحالة من الرضى بواقع الأمر بل والاستمتاع به. 

تقوم السلطة -المتسلطة- بدور السادي، وتقوم الكيانات السياسية المعارضة بدور المازوخي، وهنا تنشأ حالة من الانسجام بينهما، وحالة من الرضى بواقع الأمر بل والاستمتاع به.

وللباحثين عن علاج لتلك المازوخية أقول: يكمن العلاج في أحد أمرين، الأول، هو إيجاد مصل لهذا الطاعون الذي تفشى في هذه الكيانات، وانتشالها من المستنقع الذى وقعت فيه من خلال اقتحام جيل جديد من السياسيين الشباب الذي لم تصبه عدوى المازوخية. أما إذا استعصى هذا العلاج فلا مناص من اللجوء إلى الحل الأخر، وهو إنتاج تجمعات سياسية جديدة مستقلة عن تلك التي استحوذ عليها المرض، لتحتل مكان تلك التي فقد فيها الأمل، لتصنع هي التغيير المنتظر.

من هنا وجب علينا البدء فوراً في مشروع لإعداد جيل جديد من الكوادر السياسية الشابة والتي ستشكل بدورها جدار الممانعة أمام هذا الطاعون الذي استوطن الحياة السياسية بشكل صارخ، ومن ثَم إحداث تغيير في المشهد السياسي، وإبراز رقم جديد ومؤثر في المعادلة السياسية. لذلك نحن بحاجه إلى حالة من تضافر الجهود من الأفراد والمؤسسات التي تمتلك الوعي والرؤية الكاملة لهذا المشهد، ومعرفتها بمدى الأضرار الواقعة على الحياة السياسية، ومن ثَم المجتمع ككل، والتي أنتجتها تلك المازوخية التي توغلت وانتشرت في جسد المعارضة السياسية داخل مجتمعاتنا العربية.

ما نحتاج إليه هو جيل جديد من السياسيين، يتم إنتاجه خارج هذه الحلقة التي اكتساها الجمود الفكري والحركي، وحالة من الرضا بما تقدمه لها الأنظمة السادية الحاكمة. بعد إنتاج هذا الجيل سنرى مشهدا مغايرا لما اعتدنا عليه، مشهد مليء بالحرية والحيوية والتجدد. في الأخير، دعونا نحلم! لعل أحلام اليوم تصبح في الغد حقيقة.