شعار قسم مدونات

السياسة لا تُبقي أحدًا على نفسه

blogs - halab

مع كل ارتقاب للنصر تنكسر آلاف الأشياء، لم تكن السياسة يومًا هوسًا كما هي الآن، لقد تثاقلت وحّلت بسلبيات باعدت إيجابياتها.
 

كنت أظن في طفولتي أن السياسة كلها للعقلاء والمفكرين ولا تصلح إلا لكبار العقل والعمر، ولكن سرعان ما انتابني شعور بالاعتذار لطفولتي، أنني شوهت العقلاء والكبار في عينها. محدودو الفكر كثر والسياسة حبالها طوال لا يلتف "قديمًا" بها إلا صاحب الفكر أما الآن فحدّث لا حرج بأن الرضيع لو وجد في موقع سياسي؛ لانتصر.

لم يكن واقع حلب مختلفًا عن غيره من الدول وما يحدث الآن حدث وربما يحدث أيضًا، آفات صغيرة من قلة تدبير سياسي انقلبت لهجوم ومعارك وتقتيل وذبح واستئصال للرحمة، أدركت الآن أن ما يحقن لبعض الساسة هي حقنة اللؤم، لم يستطع سياسي واحد وقف ما يجري وما سيجري في حلب وكأنما أعميت أبصارهم ولكنهم حقيقة استغشوا ثيابهم وعادوا لمنصاتهم بخطبٍ باردة وحجج باهتة أننا يا أقوام نستنكر ما يجري في سوريا وخصوصًا حلب، وأننا على استعداد لتقديم ما يطلب منا وما نُكلّف به بأقوى ما نملك، مهلًا الجمهور يُصفّق ويمدح ويكأنّ ما قيل الآن لم نسمعه في انتخابات أقصد خطابات سابقة.
 

التاريخ والإعلام لا يبقي شيئًا بلا توثيق وربما يلجأ للتزييف ولو جَمَّل خيرًا لكان خيرًا لنا حتى مع قلة تزييف الجمال أمام الواقع الخرب.

السياسة هوس عصري تحتاج بعد الخوض فيها لتشخيص بمرض عقلي وأخذ عقاقير مضادة للانفصام.. إياك أن تشمت بسياسي أو تنظر إليه بنظرة غير لائقة، وابتعد عن الضحك لما يقال منهم وتجاوز عنهم واعفُ واصفح، فذلك خير لك ف(لا تشمت بأخيك؛ فيشفيه الله ويبتليك).

إن أتتك فرصة لتكون سياسيًّا عريقًا فابتعد أرجوك تعوّذ وصلّ واستخر، ثم إن وفقت اسعَ لتكن سياسيًّا ناجحًا وارقَ بها وتعالَ عن مزيفاتها وانتقد سلبياتها وعزز إيجابياتها وتلطّف بنفسك فالسياسة لا تبقي أحدًا على نفسه..
 

كم ستستمر قصة حلب وكم سيبقى "الهاشتاغ" مولعًا أنحاء المواقع الاجتماعية؟ لفترة وجيزة عند حدوث شيء غير إنساني نستنكر ونحد ونندب نرفع الشعارات ونجلس بحجة السياسة العادلة وبمعنى أتم السياسة العازلة فهي تعزل كل محب ومضحٍّ عن وطنه فالممرض والمعلم والمهندس والعامل والأم والأب حينما يتهجرون؛ ليعمروا بلدا آخرًا أليس ذلك من نظام السياسة العازلة؟
 

لقد يأس منا واقعنا قبل أن نيأس منه وأعاب علينا قبل أن نعيبه، فالتاريخ والإعلام لا يبقي شيئًا بلا توثيق وربما يلجأ للتزييف ولو جَمَّل خيرًا لكان خيرًا لنا حتى مع قلة تزييف الجمال أمام الواقع الخرب، أما لو زيّف سلبًا أو نُقل تاريخنا كما هو فوامصيبتاه! فعمر لم يعد هنا ولن يثأر لنا وصلاح قد مات ولن يبعث وإعمار الأرض قائم ولو غيُّرنا وبُدّلنا فحذاري أن نغير ونحن مغيّبو تفكير ووعي وإدراك.
 

دعنا من تقمّص أدوار الضحية دومًا ولنمثّل لفترة وجيزة أننا أبطال الفلم فنحن بحاجة لوازع ثقافي وديني يعتني بالسياسة والساسة كما تعتني الأم برضيعها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.