شعار قسم مدونات

السعادة هي الطريق

blogs السعادة

كنت أتجول في إحدى المجمعات التجارية وكلما دخلت إحدى المحال لفت نظري الأطفال الرضع في عرباتهم الصغيرة ومع كل طفل أراه أخذت أسرح في عالمه الخاص.. عالمه الذي لا يتجاوز أن يأكل ويشرب وينام ويغير حفاظه ويلعب ويستقبل القبلات والأحضان ممن حوله.. يا إلهي! لم أصدق كم تمنيت بتلك اللحظة التي أراقب بها تلك الطفلة أن أكون مكانها وهي المستمتعة بدفء البطانية الوردية التي تداعب رقبتها ووجنتيها، وأمامها لعبة جميلة زاهية الألوان تتدلى من أعلى العربة فتستقر أمام وجهها كي تلعب بها، وهي متمددة في عربتها المريحة تحدق النظر في الأسقف ووجوه الناس المختلفة، وهي الملكة تنام وتستيقظ متى شاءت دون حاجتها لساعة منبه تخبرها أن موعد الاستيقاظ قد حان.. وتلعب متى أرادت وترمي بما تلعب متى شعرت بالملل.. وتأكل متى رغبت وتشيح بوجهها بعيدا متى شبعت.. وتبكي متى ما شعرت بحاجتها للبكاء دون أن تشعر بالخجل على تفاهة الشيء الذي تبكي من أجله!


رغبة عارمة جرفتني لعالمها! تمنيت لو كنت مكانها في عربة صغيرة أكبر همي فيها لعبتي وأكبر مجهود أبذله هو ذلك الذي أريد أن ألفت فيه نظر من حولي كي يلعبوا معي! الحياة جميلة وممتعة ولكل سن جماله الخاص ولكل مرحلة جمالها المتفرد الخاص بها لكن مرحلة الطفولة بالذات مرحلة فيها جمال خاص ولذة ونكهة خاصة، نكهة البراءة التي لا تشوبها نكهة حياتنا العصرية المادية الجديدة المتسمة بالسرعة وانعدام الجانب المعنوي والروحاني فيها..

 

والأصعب من هذا كله أن مقياس السعادة فيها هو المال! فتجد الصغير والمراهق والشاب والعجوز يربط تأجيله لسعادته بمجرد حصوله على المال، هذا لا يعني أبدا أن المال ليس مهم أو أنه لا يجلب السعادة بل هو جزء مهم قد يجلب لنا مسببات السعادة فلو كنت مدينا تفي دينك، ولو كنت مستأجرا تصبح مالكا، ولو كنت موظفا تصبح رب العمل، ولو كان فلذة كبدك مريضا لعالجته في أحسن المستشفيات، ولتزوجت ممن تحب، وغيره الكثير من الأمور التي يسهلها المال في حياتنا..

 

المال بلا شك مكمل للسعادة لكن ليس أساسها، فلا تؤجل سعادتك حتى تحصل عليه لعل في تأخره عنك خيرا ومع هذا علينا بالسعي كما أمرنا الله فالذي أمرنا بالسعي وعدنا بالرزق ومن أسمائه الرزاق

لكنه بالنهاية لم ولن يجلب السعادة السحرية التي يتوقعها معظم الناس! وأكبر دليل على هذا الكلام هو الكم الهائل من الأغنياء والمشاهير الذين لا ينقصهم شيء "مادي" لكنهم انتحروا لتعاستهم وعدم حصولهم على ما يحتاجوه حقا في هذه الحياة.. إذ لو جلب المال لهم السعادة كما يعتقد البعض لما انتحروا! بعضهم تمنى لو كان لديه أسرة.. وبعضهم لم يرزق بالأولاد وتمنى لو تذهب كل ثروته مقابل أن يرى قطعة من قلبه تمشي على الأرض.. بعضهم فقد صحته جامعا المال ثم حين حانت لحظة وفاته تمنى لو قضى وقته مع زوجته وأولاده بدلا من جمع المال


ولقد عاشرت الغني والفقير ومتوسط الحال فما وجدت أحدهم مرتاحا وسعيدا بما عنده إلا أولئك القانعين ويا لندرتهم.. فمع القناعة وجدت الفقير أغنى من أغنى الأغنياء، ومع السخط وجدت الغني أشد لهاثا وراء المال من الفقير، معه من المال ما يفيض عنه وتجده تعيسا لأقسى الدرجات.. يتمنى أن يضحك من قلبه كما يفعل بائع البطيخ مع زبائنه.. وأن يجتمع مع أسرته كما يفعل حارس قصره مع عائلته.. أن يتكلم بفرح غامر لمجرد سماع من يحب وينسى تعب اليوم بأكمله في تنظيف البيت والحمامات وتلميع الجدران كما تفعل خادمته حين تكلم أسرتها عبر الهاتف!


ومع كل هذا ترى كثيرا منا ما زال مقتنعا بأن الوصفة السحرية للشعور بالسعادة تكمن في الحصول على المال مهملا باقي المكونات الأساسية كي تنجح فيها أي وصفة حتى لو كانت قالب حلوى، قد يكون مكون أساسي فيها مهم لكن وجوده وحده دون باقي المكونات لن يصنع أي شيء ولا يعني أي شيء!


عندما سئل الدكتور إبراهيم الفقي -رحمه الله-عن الطريق للسعادة قال: (لا يوجد طريق للسعادة لأن السعادة هي الطريق)، وعندما قالوا الرحلة لا تقل أهمية عن الهدف ذلك يعني أن تستمتع في رحلتك أيا كانت وألا تؤجل سعادتك حتى تصل إلى ما تريد

المال بلا شك مكمل للسعادة لكن ليس أساسها، فلا تؤجل سعادتك حتى تحصل عليه لعل في تأخره عنك خيرا ومع هذا علينا بالسعي كما أمرنا الله فالذي أمرنا بالسعي وعدنا بالرزق ومن أسمائه الرزاق.. الرزق جزء منه المال وليس كله فالصحة رزق، ونعمة الأهل رزق، والذرية الصالحة رزق، ودعاء الناس لك بالخير رزق، وراحة البال رزق، وحب الناس لك رزق، ودفع البلاء عنك رزق، والشعور بالأمن رزق، والكثير الكثير مما يغفل الناس عنه يندرج في خانة الرزق، والآية الكريمة:" وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" تؤكد على أن نعم الله علينا كثيرة لا نستطيع أن نحصيها ولن نستطيع أن نحصيها!

 

وهل تريد بعد كل هذا أن تبقى عبدا لفكرة أن المال يصنع السعادة! عندما سئل الدكتور إبراهيم الفقي -رحمه الله-عن الطريق للسعادة قال: (لا يوجد طريق للسعادة لأن السعادة هي الطريق)، وعندما قالوا الرحلة لا تقل أهمية عن الهدف ذلك يعني أن تستمتع في رحلتك أيا كانت وألا تؤجل سعادتك حتى تصل إلى ما تريد فلعل عمرك قصير فهل تضمن أنك لن تموت غدا أو حتى الآن عندها ستكون قد مت قبل أن تموت.. فالحق بركب الشاكرين القانعين وقل: يا رب! تتفتح أمامك أبواب الرضا والسعادة الحقيقية النابعة من داخلك والتي لا تشتريها أموال الأرض جميعا!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.