شعار قسم مدونات

الثقافة النهضوية

blogs - intellectual
لا يكود يخلو أي نقاش يهُم الأزمات التي يمُر منها العالم العربي دون استحضار دور الثقافة كمحرك نهضوي، وذلك انطلاقا من استقراء للماضي، حيث لعب نادي "اليعاقبة" على تكوين نُخبة مثقفة ثورية في فرنسا أثمرت مخططاتها عن تنحية لويس السادس عشر، وعمد ماو تسي تونغ على زرع ثقافة مستمدة من فهمه للشيوعية في قيادات الحرس الأحمر أيام ثورته، حتى مهاتير محمد مهندس النهضة الماليزية قد افتتح مشواره الإصلاحي بنقد الثقافة السائدة في شعب المالاي وكانت النتيجة ثورة ثقافية في صفوفهم جعلت لماليزيا مكانة متميّزة في المُنتظم الدولي.

كان لدخول الاستعمار الدول العربية دور أساس في استحداث مُعسكر ثقافي جديد انبهر بالقوة المادية للدول المُستعمرة فعكف على دراسة النهضة الأوروبية محاولا استنباط القيم الموجهة لنهضتها في أٌُفُق استنساخها ولعل أبرز من أرخها "ألبرت حوراني" في كتابه الفكر العربي في عصر النهضة. أدى ظُهور هذا التيار إلى استنهاض عزيمة رواد الفكر التقليدي الذين سعو إلى إبراز مدى فهاهة هذا الطرح الاغترابي، فقد حرص جمال الدين الأفغاني في كتابه الرد على الدهريين إلى هدم عُرى دعوات التحديث عند أحمد خان وبنفس المنوال عمل محمد عبده في كتابه الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية إلى تقويض أفكار فرح أنطوان…

إن الوعي العربي لم يستطع تقبل الواقع كما هو، ولم يستطع رفضه والتخلي عنه، بل ولم يستطع أن يحوله، بقي العالم كما هو منذ أكثر من قرنين، رمزا للسطوة الغربية.

سعت عديد التيارات إلى محاولة خلق التقارب بين معسكري الأصالة والتحديث كما كان الأمر في حزب الوفد في مصر في عدة مراحل تاريخية، فعمدت في حين إلى تهوين نقاط الخلاف بين الطرفين أو إلى إعادة تعريف الأفكار المؤسسة لهما من أجل إبراز سوء التموقع البدئي بما يكفل التقارب، لكن سرعان ما تهاوت هاته التوافقات، وعاد كل طرف لمحاولة استئصال الآخر مع اليقين بأن أساس المشكل ذاتي وليس موضوعي، ففئام يسعون لرفض الغرب تأكيدا للذات وآخرون يرفضون الذات بُغية الاندماج بالرّكب الحضاري الغربي.

و لا غرو أن هناك خلافات بين أصحاب هذه النظرية فيما يتعلق بتحليل عناصر التأخر الأساسية في الثقافة العربية، وطُرق نهضتها، فمنهم من يرى التأخر في جوهر الحضارة العربية بوصفها حضارة لاهوتية لم تمر بعد للمرحلة الأخيرة من المراحل الثلاث عند "أوغست كومت"، ومنهم من يراها مشوهة مليئة بالمشوبات نتيجة التحريفات التي مسّت نصوص التشريع ومنهم من يراها نتيجة تعاظم الوجود الغربي في مراكز القرار بل وانعدام السيادة مستجلبا معه الاستلاب والانحلال الروحي والأخلاقي.

ليس من الصعب أن نستخلص أننا أمام نظريات متعارضة، وإنه من المستحيل تصور إمكانية التوفيق بينهما، فما يعتبره الفريق الأول سبيلا للنهضة يعتبره الفريق الآخر باعث الانحطاط والتخلف. بيد أن هذا التعارض ليس مطلقا إلى الدرجة التي يبدو عليها من أول إطلالة عليه، فالموقفين يتقاطعان في نقاط عدة من بينها إعادة تقييم المنظومة القيمية السائدة وآليات العمل السياسي، فقد يتفق فريق من القوميين مع فريق من التغريبيين في وُجوب مقاومة الاستعمار والسطوة الغربية كوسيلة لتحقيق تمام السيادة.

حرص جمال الدين الأفغاني في كتابه "الرد على الدهريين" إلى هدم عُرى دعوات التحديث عند أحمد خان، وبنفس المنوال عمل محمد عبده في كتابه "الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية" إلى تقويض أفكار فرح أنطوان..

ثم إن بعض هذه الأجنحة يمكن أن تلتقي على مواقف واحدة في رفض الواقع المعاش باعتباره واقعا فاسدا حُق تغييره، فليس من الضروري أن تتطابق الأيديولوجيات العميقة مع المواقف الاجتماعية والسياسية، فلا غرابة في وجود إسلامي تقدمي ولا غربي رجعي، إذ إن الموقف الأساسي هو لحظة من لحظات الوعي لا يحقق في صورة ملموسة ولا يتجسد كتيار سياسي إلا إذا نجح في أن يأخذ في الاعتبار الوضعية الاجتماعية والسياسية الراهنة وعمل على خلق توفيقية أديولوجية تسبق وحدة القضية على وحدة الصف.

فحتى "ماو تسي تونغ" إبان ثورته الثقافية كان على النقيض إيديولوجيا مع "زينغ شياو بينغ"، فالأخير كان يرى بضرورة انفتاح جزئي على السوق العالمية فيما كان يرفضها الأول، لكن جسامة الخطر المحدق بالبلاد جعلهم يؤخرون هذا السجال لما بعد الثورة.

ما لا يمكن أن يغفله أحد أن الوعي العربي لم يستطع تقبل الواقع كما هو ولم يستطع رفضه والتخلي عنه، بل ولم يستطع أن يحوله، بقي العالم كما هو منذ أكثر من قرنان، رمزا للسطوة الغربية وبقيت هاته السيطرة مُرهبة لم يستطع العربي في خضمها إعادة تمركزه.

و هكذا صار العربي في وضع محرج وضعه بين خيارين، فإما الحفاظ على الذات والتخلي عن القيم النهضوية الغربية أو التخلي عن الذات والانغماس في العالمية، هذا الإحراج المأساوي يشق في الواقع وعي العربي ويرميه في تعاسة وجودية، فاللحمة الاجتماعية تزداد تفككا والأخلاق لا تزداد غير تحللا. على أن يحرص المقال القادم إن شاء الله على إيضاح نظرتنا للحل النهضوي انطلاقا من فصل الأيديولوجي عن السياسي والفكري.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.