شعار قسم مدونات

الإرهاب الدوافع والمسببات.. الصومال نموذجا

مدونات - حركة الشباب بالصومال
الإرهاب من صيحةٍ خلقت الزعزعة الفكرية إلى العنف اللامتناهي، هو التهديد والأمل في آن واحد؛ تهديدٌ لاستقرار وأمن الوطن وأملٌ للساسة يسعون من خلاله كسب الشعوب، فهم يتوعدون بالقضاء على العنف وإعادة السلم والسلام، والمواطنون مذبذبين بين هذا وذاك، ترى ما هي دوافع العنف وتشكل الجماعات الإرهابية؟
 

يُفهم من وسائل الإعلام أن الدين الإسلامي يدعو إلى العنف، ولكن أيعقل أن ديناً اشتق اسمه من السلام يدعو إلى الإرهاب!!، في دفاتر التاريخ نجد عمليات إرهابية لا تمت بالإسلام أي صلة؛ منها الإبادات الجماعية التي قضت على السكان الأصليين للقارة الأمريكية الشمالية "هنود الحمر"، بينما في عصرنا الحاضر هنالك العمليات الإرهابية التي يذهب ضحاياها مسلمو دولة بورما، والعالم عينه على حركة الشباب الصومالية وداعش، وليس الغرض من تسليط الضوء عليهما دون الجماعات الإرهابية الأخرى في العالم سوى الرغبة في نسب الأفعال المشينة إلى الدين الإسلامي، من أجل تشويه صورته اتجاه غير المسلمين وضعيفي الإيمان، كل ما في الأمر أن كلا الجماعتين يدَّعون التزامهم بالشريعة الإسلامية والدين عنهم بريء، الإرهاب خليطٌ من ظواهر نفسية واجتماعية وسياسية أيضاً.
 

من الدول الحاضنة للجماعات الإرهابية الصومال، بعد اختيار رئيس الجمهورية الجديد محمد عبد الله فرماجو حدث خلال ثلاث أشهر الأولى ثمانية انفجارات خلفت فوق السبعين قتيلاً، والعدد في ازدياد إذ ليس هنالك حتى اللحظة بوادر حقيقة لحل الأزمة، فقط تصريحات معتادة بعد كل هجوم إرهابي "التعهد بشن حرب شاملة على حركة الشباب، مهلة شهرين لأتباع حركة الشباب المخدوعين كي يعودوا إلى أحضان الحكومة وصفوف الشعب".
 

الجانب الاجتماعي يعد من أهم مسببات العنف والإرهاب؛ حيث الظواهر السلبية المنتشرة في المجتمع كالفقر والبطالة والتفكك الأسري والعصبية القبلية التي عمقت الفوارق بين أبناء الوطن الواحد.

يعد هذا الأسلوب الذي تنتهجه الحكومة الصومالية في مكافحة الإرهاب العلاج على مستوى الأعراض؛ بمعنى أنها تتجاوب مع العمليات الإرهابية قبل أو بعد حدوثها ولا ضير فيه، بينما الحل الناجع أكبر من ذلك بكثير، فالمطلوب دراسة علمية لظاهرة الإرهاب ثم الاستناد على نتائج الدراسة.
 

عند تحليل وجهات نظر وسائل إعلامية مختلفة نجد أنها كونت صورة ذهنية لدى أكثر المشاهدين أن الدين الإسلامي يدعو إلى الإرهاب، إلى أن هناك مسببات أعمق تتمثل في:

أولا: الجانب السياسي: ليس هنالك دولة من دول العالم الثالث إلا ويتم التدخل في شؤون سياستها الداخلية كالحكومة الصومالية التي تعاني من تدخلات خارجية عديدة، منها المساهمة في تكوين الجماعات الإرهابية وتمويلها، وغالباً ما يتم دعم كل من يملك توجهات متطرفة ومصالح خاصة يريد تحقيقها.
 

ثانيا: الجانب النفسي: فبعد تكوين قادة الفكر المتطرف يأتي الدور في استمالة الأتباع من المواطنين، بالأخص فئة الشباب الذين يسهل إقناعهم بسبب توفر المقومات، فالصومال تعاني من عدم الاستقرار السياسي منذ تسعينات القرن الماضي، أدى إلى نشوء جيل من الشباب يفتقر لمقومات أساسية تشكل شخصية سليمة متزنة على النحو المطلوب، مما تسبب في انخفاض شديد لمعنويات الكثير منهم وإصابتهم بالإحباط الشديد اتجاه واقعهم دفعهم في البحث عن مخرج لأزمتهم وهو ما توفره الجماعات الإرهابية..

فالمحبط يعاني من أعراض مثل: الأفكار السوداوية؛ الحزن الشديد؛ الانتقاص من الذات، كل هذه الأسباب مجتمعة تدعو إلى إلغاء حاضره الميؤوس منه، مما يساعد الجماعات الإرهابية في الاستفادة من هذه النقطة، من خلال قيامها فصل الفرد عن الحاضر بشكل كلي عن طريق ربطه بالماضي المجيد والمستقبل الزاهر جنة عرضها السموات والأرض عند نيل الشهادة، " أن يخسر المرء حياته يعني أنه لا يخسر سوى الحاضر، ومن الطبيعي أن فقد حاضر ملوث لا قيمة له لا يعني فقد الكثير"1 إذن من المستحيل أن يفكر المرء بشكل منطقي أن الشهادة التي يبحث عنها ليست في محلها الصحيح.
 

ويعد تدهور الوضع التعليمي من أسباب ضعف البنية النفسية لدى شباب الوطن، فالتعليم في الصومال يعاني من تخبط مخيف، أدى إلى أسباب غير مباشرة لنشوء الجماعات الإرهابية منها كثرة المؤسسات التعليمية التي تفتقد إلى التميز والجودة، فهي مؤسسات تجارية لا تمتلك كفاءات أكاديمية على مستوى عال، هدفها المكاسب المالية على حساب الجودة العلمية، في حين أن المؤسسات التعليمية التي تتمتع بالمصداقية تنقصها الإمكانات البشرية والمادية الفعّالة، أما السبب المباشر يتمثل في انتشار دعاة الضلال الذين يسعون إلى تحريف الشباب عن المنهج القويم والتشريع الذي يتناسب مع الدين الإسلامي، وقد توافقت هاتين الآفتين مع الروح المتقدة لدى الأجيال في طلب العلم والحصول عليه.
 

التقصير في مواجهة الإرهاب كمشكلة واقعية تحتاج إلى تركيز جهود الجهات المعنية في الحلول التي تساهم في الحد من ظاهرة العنف والإرهاب، فمهما بلغ حجم العنف والإرهاب في وطننا العربي فإن قدرات ومؤهلات أبنائه قادرة على مجابهته إذا أُحسن استغلالها.

الجانب الاجتماعي يأتي ثالثاً كمسبب للعنف والإرهاب: حيث الظواهر السلبية المنتشرة في المجتمع كالفقر والبطالة والتفكك الأسري والعصبية القبلية2 التي عمقت الفوارق بين أبناء الوطن الواحد؛ سواءً في الحصول على فرص العمل أو تهميش الفرد من منطلق القبيلة التي ينتمي إليها، هذه العوامل وغيرها أدت إلى بحث الشاب المحبط نفسياً والمهمش اجتماعياً عن انتماء موحد لا يفرق شخص عن غيره المتمثل في الجماعات الإرهابية.
 

الحكومة الصومالية أمامها تحديات كثيرة وضخمة على مستويات عديدة؛ أهمها الهشاشة الأمنية واستفحال دور الجماعات الإرهابية، لذلك وجب اتباع آلية فريدة لمواجهة الإرهاب من خلال حلول مستعجلة وحلول طويلة الأمد في وضع خطة استراتيجية، أما الحلول المستعجلة تتمثل في تشكيل قوة أمنية تعمل على اقتلاع القيادات الإرهابية البارزة، الذين يصعب تغيير اعتقادهم الخاطئ ولا ينفع معهم سوى محاربتهم باستخدام القبضة الحديدية، في حين أن الخطة الاستراتيجية تقوم على تفعيل دور المؤسسات التعليمية والاجتماعية من أجل تحسين حال المواطن الصومالي الذي يعاني من مشاكل نفسية واجتماعية مختلفة.

إن مشكلة العنف والإرهاب لا تقع على عاتق الدولة فقط وإنما هي مسؤولية الجميع، على كل مواطن ألا يأخذ دور المتفرج حيث أن تطبيق الخطة الاستراتيجية لا يقتصر على الحكومة وحدها، بينما يتعدها إلى كل مواطنٍ بلغ من المكانة العلمية ما يؤهله علاج المشاكل التي يعاني منها المجتمع كلٌ حسب تخصصه.
 

لا يعني بالضرورة أن يكون غياب الحريات والديمقراطية في الصومال والوطن العربي أنها السبب الرئيسي في تشكل الإرهاب، حيث أن كل فرد مهما بلغ من تقييدٍ في حريته لن يزج نفسه في العنف والإرهاب ما دام يتمتع بعقل وافر وإيمان صادق يمنعه من الأذى، كل ما في الأمر التقصير في مواجهة الإرهاب كمشكلة واقعية تحتاج إلى تركيز جهود الجهات المعنية (السياسية، العسكرية، الإعلامية، والمؤسسات الاجتماعية) في الحلول التي تساهم في الحد من ظاهرة العنف والإرهاب، فمهما بلغ حجم العنف والإرهاب في وطننا العربي فإن قدرات ومؤهلات أبنائه قادرة على مجابهته إذا أُحسن استغلالها.

_____________________________________________
1_ المؤمن الصادق صـ 122

2_ العصبية القبلية في الصومال والتعصب الديني الطائفي في الوطن العربي تسببا في انخراط الشباب ضمن جماعات تحتويهم

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.