الأنصار القدامى.. والمهاجرون الجدد

blogs - friend

عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقام دولته على أساسين:
أساس ديني: متمثلا ببناء المسجد. وأساس دنيوي: متمثلا بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
وكلا الأساسين يشكلان مبدأ (التعاون الجمعي) الذي هو قوام أي نظام إنساني، فالدين يشكل الدافع القيمي، والتعاون والإيثار يشكل الصورة التطبيقية لهذه القيمة.
 

لقد انتقلت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من مستوى (الترف الفكري) إلى مستوى (القيمة الفعلية)، ومن خانة (المستحب) إلى خانة (الواجب)، فصارت المؤاخاة بهذا الاعتبار (مسئولية مجتمعية) وليست (مندوباً فردياً) يقدمه الفرد في خفية من الناس طلبا للإخلاص.
 

سنلاحظ أن المهاجرين كانوا (لاجئين) تركوا ديارهم وأموالهم في (دار الحرب) وفروا بجلودهم إلى (دار السلام) لذلك كان المهاجر يشارك الأنصاري في ماله وداره، وربما ورثه في بداية الأمر، قبل أن يتم نسخ التوارث مع بقاء الإيثار كما هو.
 

وقد جاء هذا التشريع استيعابا لهذه الحالة الطارئة؛ حالة الهجرة القسرية، واللجوء غير الطوعي من بلد مضطرب إلى بلد مستقر. وقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في آية الإيثار التي سطرت هذا المبدأ القيمي الهام في قول الله تعالى: "وَالَّذِينَ تبوئوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ على أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ" الحشر(9).
 

انتقلت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من مستوى (الترف الفكري) إلى مستوى (القيمة الفعلية)، ومن خانة (المستحب) إلى خانة (الواجب).

ولأبي داوود عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها". وصححه الألباني في إرواء الغليل. وهذا يعني أننا سنشهد (مهاجرين) جددا بين فترة وأخرى؛ فهل سنشهد وجود (أنصار جدد) يعينون هؤلاء المهاجرين كالأنصار الأوائل؟!
 

إن الدول العربية تمر بظروف استثنائية (خاصة الدول الثلاث الملتهبة: العراق – سوريا – اليمن) وأمواج المهاجرين تتوالى، ولكنها تيمم شطر البحر الأبيض المتوسط لتصل إلى الدول الغربية، بدلاً عن الوصول إلى الدول العربية!
 

السبب هو أن الدول الغربية لديها نظام (إيثار إنساني) تم تفعيله دستورياً وقانونياً، وأصبح ظاهرة مجتمعية، بحيث يتم استقبال اللاجئ (المهاجر) ويوفر له اللوازم الإنسانية الضرورية، بينما لا تزال الدول العربية متخلفة (مجتمعياً ودستورياً) عن تفعيل هذا المبدأ، وإن وجدت جهود معينة فهي جهود مبعثرة وغير منتظمة.
 

ورغم أننا نصنف أنفسنا بأننا (دول إسلامية) إلا أن الإسلام لا يفرق بين العبادة والحقوق؛ فالصلاة دوما مقرونة بالزكاة، وحق الجار والضيف مقرون بالإيمان:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) متفق عليه. وحق الجائع مقرون بالإيمان كذلك: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم به) رواه الطبراني عن أنس.
الإيمان ليس مجرد شعار بل هو بذل وإيثار.
 

الخلاصة:
– أن الإيثار والبذل (قيمة) وليس ترفاً (خاصة عند الكوارث واللجوء القسري).
– أن الإيثار قيمة مجتمعية، استطاع الغرب دسترتها وقوننتها، فيما تخلفنا نحن.
– لا يمكن الفصل في مفهوم (الإيمان) بين شقيه النظري والعملي.