شعار قسم مدونات

أنا المقتول

blogs- التهجير
أحسبُ أنّي كنتُ هُنا، ألمحُ في تلكَ التفاصيلِ طفولتي، وفي هذهِ الأشلاءِ خلاني، أرى روحِّي تتوارى بين الأزقة، وتظهر في أحد الميادين؛ أحسبُ أن جسدي الهزيل ينتفضُ ليدِ أحدهم ونحنُ نتسابق، أسترقُ النظرُ الآن منهم وأواري نفسي بوشاحي القديم، أرى المدرسةَ ذاتها التي كنتُ أدرسُ فيها النحو والحساب، أذكُر يومًا كنتُ فيه هُنا أقفُ بين رفقتي نحيي العلم.


لأولِ وهلةٍ ظننت نفسي أمام أفلامٍ حقيقية، لا أظنُ أن مدينتي بهذا السوء ولا جنودُ الظلام بهذهِ البشاعة، لم أرهم إلا في أفلام الأكشن ودراما التشويق، حرّموا التسكُعَ في الشوارعِ لمجردِ أنها من اليومِ لهم، صرنا نرتلُ الحديثَ بوجعٍ خافت، ونبلل جفوننا بعبراتٍ لا تجف، لماذا حرموا المسير وآثروه على أنفسهم، لماذا سلبونا الأمان واستأثروا به عيالهم ورفقتهم، لماذا ندفع الثمن دون محاكمة، لماذا ننزفُ من أرواحنا دون اتهام أو دليل، ملعونٌ هو السلاحُ الذي يحميهم والخائنُ الذي مهدَ الطريق لهم.


كنتُ أرى حينها الهزيمة على وجوه من أعرف ومن لا أعرف، عشرُ سنينٍ كافيةً لأتذوق مرارةَ الهزيمةِ كما لم أذقها قبلًا، صارت وجوهُ الرجالِ باليةً تكسوها براثن الذُل، إلى أن حان الموعد.

طرقَ بابنَا أحدهم، بل قُل كسرَ بابنا أحدهم، كان يتحدثُ بلغتنا، ويهجونا بهجائنا، أسمعُ إلى اليومِ صُراخَ أمي حين ولجوا حجرةَ أبي، قيدوه ولم يفكوا وثاقه، قادوه إلى سيارةٍ أسفل دارِنا وسألوه أسئلةً سريعة، لم يعطهم جوابًا واكتفى فقط برفع رأسه؛ قال بعينهِ لن أركع ولن أخضع، أجابوه بخنجر في منتصفِ صدره، هُنا كانت قتلتيّ الأولى.


في منتصفِ الحرب كانت البيوتُ حولنا تتهاوى، والشهداءُ كل يومٍ في ازدياد، أذكرُ أننا كُنا نعدُ القبورَ لحين الدفن، لا ننتظرُ أن يسقطَ الشهيد حتى نحفرَ قبره، الحربُ موحشةٌ وقذرة مهما تكلمنا في حقها، كيفَ لي بأن أكتُبَ عنها وأنا مقبورٌ هُناك، أسمعُ يوميًا دوي الرصاص وصراخ الثكالى، ثمَ أحسبُ أنِّ الدورَ قد أصابني، أستجمعُ قوايّ، أُجرُ من قدمي إلى نهاية المُتسع، أقاد إلى الميدانِ وهُناكَ أُسألُ التوبة، فإن تُبت قتلتُ ذليلًا راكِعًا مبتورَ الرأس حتى وإن حييت، وإن استمسكتُ ولم أُداهنهم بقيتُ وإن ارتقت روحي.


لماذا أدونُ وأنا الناجِي بين آلافٍ من معركةٍ خاسرة، هل نجوتُ أم أنِّي حبستُ طيلةَ سنينٍ بين جدرانٍ أربع لا أراها، ثم لماذا أنزفُ اليوم بين يدي ورقةٍ وقلم، ما الدافعُ في أن أذوق مرارة الموت مرتين، لا والله بل ألف مرتين، أربعونَ عامًا أقتلُ وأنا بين ظهراني الحياة. أربعون عامًا أتجرعُ مرارةَ السُمِ ولا أرى إلا الموت.


من أين جاءنا يقينُ أننا على الحق! أوليس لزامًا بالحق أن ينتصر، أوليس مُسلمًا أن يُزهقَ الباطلُ وتظلُ روحُه، استمتعتُ بوأدِ الطفولةِ داخلي وأنا ابن سبع، ألفتُ الحجارة واخشوشنت يدي، أحببتُ وأدَ المُحتلِ حتى وإن كنتُ أعلم أن في ذلك التهلكة، كنتُ أستمعُ لحديث أميّ بنهم، تقول وإن مُت! تمت مرفوعَ الرأسِ كأبيك، نحنُ يا بُني عُمَّار الأرضِ وأهلها، هُم فقط مغتصبون سيعودون يومًا من حيث أتوا، أو ستبتلعهم أراضينا دون فواق.


تمضي الأعوام وأسترجعُ الكلمات، من أين أتت أمي بكلماتِ العز تلك؟، وكيف آمنت بها إيمانًا راسخًا لا يشوبه شك أو ريبة؟، كيفَ ربَّت فيّ أن الموت أقصر الدروبِ إلى الحياة؟، وأنه ما دمتَ تجاهد لأجل الدين والأرض؛ فإنك منتصرٌ وإن لم تدرك انتصارًا، كم مرةً ساورتني الشكوك، كم مرةً بكيت في حجرها سائلًا نجاةً من هذا الذُل، فأجدها هي الأخرى تبكي لأجلي، تختلطُ دموعنا فننظرُ إلى السماء، ثم ندركُ أنّ خلاصنا فقط هُناك!


أقفُ اليوم وأنا ابن خمسين عاجزًا، تبتلعني سنيني سنةً وراء سنة، لا أزال أذكُرهم؛ جيشٌ جرارٌ يبتلعنا قرية قرية، ويقتلع ديارنا دارًا وراء دار، ماذا لو أصابنا الدور، من يستضيف ابن ثمان سنين أو تسعة وأمه، صارَ العُرف أن القرى النازحة تؤولُ إلى القرى التي تليها إلى حين يصيبُها الدور فتأتي بمن نزح إلى التي تلاها، شاركتنا عجوزٌ وبنتها دارنا، أضاءت دورنا لأسابيع إلى حين اليوم المشئوم.


حملتني أمي رفقة نساءِ البلدة في سيارات مجمعة، قالوا أنها ستنقلنا لمخيماتٍ في البر المجاور، الآن تقتَلعُ روحي للمرةِ الثانية، الآنَ ألفظُ أنفاسي وأنا على حدودِ قريتنا، اللهم إني لا أجدُ فجيعةً في عمري كفجيعة روحي المُهترئةِ هُناك!

وزعوا منشوراتٍ أن حان دوركم، كان الرجال كغيرهم يجتمعون في بيت شيخ البلدة، يضيئون قنديلًا ويتسامرون حوله، لا مفر، نسلم، نجاهد، فيم الجهاد والغلبةُ والعُدةُ لهم.. كنتُ أرى حينها الهزيمة على وجوه من أعرف ومن لا أعرف، عشرُ سنينٍ كافيةً لأتذوق مرارةَ الهزيمةِ كما لم أذقها قبلًا، صارت وجوهُ الرجالِ باليةً تكسوها براثن الذُل، إلى أن حان الموعد.


لازال تاريخُ اليوم ببالي، اليومُ دهست جراراتُ الاحتلالِ بيتنا، واستحلت أرضنا وطالت ما طالت من صبايانا، فتحوا النار علينا ببداية البلدة، سقط من الرجالِ من سقط ومن تبقى أخذوه عنوةً إلى معسكراتِ الاعتقال، حملتني أمي رفقة نساءِ البلدة في سيارات مجمعة، قالوا أنها ستنقلنا لمخيماتٍ في البر المجاور، الآن تقتَلعُ روحي للمرةِ الثانية، الآنَ ألفظُ أنفاسي وأنا على حدودِ قريتنا، اللهم إني لا أجدُ فجيعةً في عمري كفجيعة روحي المُهترئةِ هُناك!


اليومُ قُتلتُ للمرة الثانية. 
تنبري هذه الأفكارُ في رأسي، وأسمعُ صداها في مرآة روحي المكروبة، ثم أرى حُزني يتدفق بين أضلعي، كيفَ الولوجُ إلى الخلاصِ والروحُ تُساقُ من مسارٍ إلى آخر، لستُ أرى روعًا أشد من روِّع النفي، فقدان الأرض، وإن لم أبلغ يومها إلا عشرًا وإن كان لي أربعين آخرين أطوف الأرض، تبقى روحي مقتولةً هُناك وإن تكلمت، فأصبحت أنا المقتول!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.