شعار قسم مدونات

وائل العبسي.. صحفي من تعز

blogs - وائل العبسي
كعادتِها الحرب لا ترحم أحدا، لا تُفرق بين القلوب التّي تنبض بالحب، ولا القلوب التّي تملؤها الكراهية والحقد، الجميع يكتوي بنارها، ما لم يكن هُناك سبيلاً للخروج منها بأقل الخسائر.. وائل العبسي ابن العشرينيات من عمره، من أبناء مدينة تعز اليمنية، المدينة التّي تعيش حصاراً  منذ سنتين وأكثر، من قبلِ جماعة جاءت باسم الماضي لتدمر الحاضر والمستقبل، طالباً جامعي لتوه كان لا يزال يدرس الإعلام، في لحظةِ جاءت فيها المليشيات لتوقف الحياة، وتُعيد الماضي بكل صوره البشعة، التحق وائل بركب الإعلاميين، الذين حرصوا على أن ينقلوا للناس معاناة سُكان المدينة، لكشف الصورة الحقيقية التّي تُروج لها وسائل إعلام الانقلاب، على أن مدينة تعز لم يعُد يسكُنها سوى من كان داعشيا أو مرتزقا. 
طويلاً كافحت تعز بأبنائها ونسائها وأطفالها منذُ سنين، ولم تزل تفعل ذلك حتى اليوم، لم يعد يسكُنها سوى المصابون بالكوليرا، والمبتورة أطرافهم، وذوي الجرحى والشهداء، والأطفال الهزيلة أجسامهم، والركام الذي يغطي أسفلت الشوارع.

عمِل وائل مؤخراً صحفيا لدى التلفزيون اليمني الرسمي، وقبلها كان ما تنقله عدسته تتداولها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، في كل يوم ترافق كاميرته خنادق الجبهات، وترصُد عدسته متارس العدو، في كثير من المرات وثق بالفيديو تعرضه للموت المحقق هو والكثير من زملائه.

قبل أشهر قليلة كتب وائل عقد قرانه على خطيبته سُعاد، والتي فيما بعد ستودعه إلى مثواه الأخير، قُبيل يوم واحد من رمضان، ظهر وائل في المقطع الذي نشره على صفحته مبتهج الوجه، بمناسبة عقد قرانه، ينثر الزبيب بين الحضور، ويسخر بلهجته التعزية القارحة من زملائه العُزاب.

ذهب وائل وأمثاله كثير الذين رحلوا ليترك رحيلهم وجعا لا تفسر حدوثه القلوب، فالبعض حين يرحل تستغرب كيف ذهبت تلك الروح بهذه العجلة، وتركت خلفها ألف سؤال بحاجة إلى ألف إجابة.

كلُ صباح يبدأ وائل يومه بنشر الصور على صفحته الشخصية من بين ركام المدينة، تارة من كلية الطب التي استعادتها المقاومة مؤخراً، وتارة من على مشارف القصر الجمهوري، والذي كان آخر ما رأته أعين وائل من مدينة تعز، تعز التّي طالما تمناها وائل محرره.

في صبيحة يوم 26 مايو، كان وائل يستعد مع فريق من زملائه الصحفيين، لنقل هجوم تستعد المقاومة لشنه في إطار تحرير المدينة، واستعادة القصر الجمهوري، وبينما الفريق يخرج لتوثيق الهجوم، سقطت قذيفة مدفعية بينهم من جانب المليشيا الانقلابية، سقط على إثرها وائل شهيدا، وسقط بجواره صحفيان، وآخر بُترت أحد قدميه.

استشهد وائل، وسُعاد تكتب على صفحتها الشخصية حينها، "يا رب سمعنا خير"، لم يعُد لتعز وسُعاد ذلك اليوم من وائل وزملائه سوى الكاميرات التي لُطخت بدمائهم، وتلك الأحداث التي وثقوها، أمست تعز ليلتها على ألم لم تعشه من قبل، ولم يزل كثيرون مصدومون من هولِ الخبر حتّى اليوم، ثلاثة صحفيين في يوم واحد، وفي لحظة واحدة، لم أسمع بأن حصل ذلك من قبل.

هل يُعقل أن يرحل أمثال وائل بهذه السرعة؟ تعز لم تتحرر بعد يا وائل، القصر الجمهوري كان ولا يزال ينتظر أن تُصيغ تقرير اقتحامه، سعاد تنتظر أن تُكمل معها الطريق معاً، رحل وائل ولم ترحل تلك الأحداث التّي وثقها، ذهب وائل وأمثاله كثير الذين رحلوا ليترك رحيلهم وجعا لا تفسر حدوثه القلوب،
فالبعض حين يرحل تستغرب كيف ذهبت تلك الروح بهذه العجلة، وتركت خلفها ألف سؤال بحاجة إلى ألف إجابة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.