شعار قسم مدونات

ليسوا مجرد خفافيش ظلام

blogs ميري ريجيف

لم يكن مشهد ارتداء وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية "ميرى ريجف" فستانا عليه صورة لمدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة خلال حضورها مهرجان كان السينمائي الدولي في دورته التي افتتحت قبل أيام تصرفاً من باب الصُدفة التي قد يذهب البعض للإشارة لها خلال حديثه عن تلك المسألة تبريرا لموقفه المُدافع عن التسوية مع الكيان الإسرائيلي.

فـ" ميري" ليست مجرد مستوطنة إسرائيلية، إنما هي وزيرة، وليست أي وزيرة، إنما هي من بيت رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وخطه السياسي "حزب الليكود المتطرف"، بل إنها مسئولة الملف الثقافي الإسرائيلي كونها في موقع "رأس حربة الثقافة الإسرائيلية"، وبالتالي فإن أي مبررات كون الأمر مجرد "سقطة" لن تُقنع أصغر عقل فلسطيني أو عربي.

لقد اختارت الوزيرة الإسرائيلي هذه الخطوة من سرقة تُراث الآخرين في الزمان العربي الرديء الذي لن يعترض فيه أحدٌ من الزعامات المترنحة سياسيا وأخلاقياً وعلى كافة المستويات، على هذه السرقة العلنية للتاريخ ومن قبل شخصية عامة لها مكانها المهم على الخارطة السياسية الإسرائيلية.

تصرفُ الوزيرة الذي اختلف عن نهج الاحتلال الإسرائيلي خلال السنوات الماضية في التعامل مع التراث الثقافي والحضاري الفلسطيني، حينما كانت تعتمد سياسة الاحتلال أسلوب "الخفافيش للعمل وسط الظلام"،لكن الأن باتت السرقة والسلب تجري في وضح النهار

إن كُل ما يجري بعد ذلك لن يُغير من حقيقة الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية أي شيء، فهي أرض محتلة ومسلوبة وفيها حرية الفلسطينيين مفقودة ليس على أرضهم فقط، وإنما البحرُ لا يجدون فيه الحرية، وأنفاسُ الهواء باتت محسوبة عليهم، ولن يتوقف الأمر عند تأكيد صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية بأن الوزيرة الإسرائيلية حرصت على ارتداء الفستان للتأكيد على أن القدس هي العاصمة الأبدية لـ" إسرائيل".

تصرفُ الوزيرة الذي اختلف عن نهج الاحتلال الإسرائيلي خلال السنوات الماضية في التعامل مع التراث الثقافي والحضاري الفلسطيني، حينما كانت تعتمد سياسة الاحتلال أسلوب "الخفافيش للعمل وسط الظلام"، بل باتت السرقة والسلب تجري في وضح النهار ودون خشية أو وجل لوخزة ضمير تجاه ما يجري.

وبالتوازي مع فعل الوزيرة، خرجت إلى العلن "ولا داعي لاستمرار الحجب ما دامت السرقة تجري في العلن"، أطروحة دكتوراه أعدها الباحث الإسرائيلي الدكتور غيش عميت من جامعة بئر السبع، أكد من خلالها رواية الفلسطينيين على مدار عقودٍ من الزمن منذ النكبة عام 1948م وحتى الآن، وجاءت نتيجة أطروحته لتقول "إن إسرائيل قامت بسرقة ونهب عشرات آلاف الكتب الفلسطينية النفيسة والفريدة من بيوت الفلسطينيين، وتمت أعمال النهب والسرقة هذه تحت حماية جنود العصابات اليهودية والجيش الإسرائيلي وبمراقبة ومساعدة أمناء المكتبة الوطنية الإسرائيلية، حيث تمت سرقة مكتبات كاملة لعائلات وكتاب وأدباء فلسطينيين، مثل المكتبة الخاصة لخليل السكاكيني، ومكتبة آل نشاشيبي عدا عن مكتبات ووثائق الهيئات الفلسطينية العامة، والمدارس والكنائس"!!

صحيفة "هآرتس" العبرية لم تتوقف عند الخبر، وبحثت عن مزيد تفاصيل حول القضية، فطرقت باب مُعد الدراسة وأجرت معه مقابلة حصرية للتعرف على آلية تخزين ذلك الموروث الثقافي الفلسطيني المسروق، وحينما أعدت تقريراً عن القضية استهلته على صفحاتها بقولها "يوجد في مخازن المكتبة الوطنية في القدس، كنز مكون من 8000 كتاب وضع عليها الحرفان AP، اختصارا لعبارة "ممتلكات متروكة" (Abandoned Pproperty). لكن الدعابة السائدة في المكتبة الوطنية تشير إلى أن المقصود بالحرفين المذكورين هو "القيِم"، في إشارة إلى " القيِّم على أملاك الغائبين" المسؤول عن هذه الكتب"!!

الحديث عن السرقات التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين لا يُمكن حصره في كتبٍ وموروث علميٍ فقط، بل إنها وعلى مدار تاريخ نكبتنا المتواصل والذي تلاقى عبر شواطئ النكسة العربية، وصولاً إلى محطات الذل والهوان العربي الذي نعيشه هذه الأيام، حيث بات البساط الأحمر يتمدد بكل سرور في العواصم العربية لتدوسه أقدام قادة الاحتلال الإسرائيلي التي داست رؤوس جنودنا في حروب النكبة والنكسة وغيرها. 

إن السبب في استمرار القرصنة الإسرائيلية لتراثنا الحضاري الذي لا تتسع القوائم الدولية لاحتواء تفاصيله رغم التهجير والتدمير وتغيير المعالم، نتحمل مسئوليته نحن الفلسطينيين في المقام الأول كلٌ حسب مكانته والطبقة التي ينتمي

إن الكلام عن جرائم العدو الإسرائيلي وسرقته للتراث الفلسطيني والإبداع الفكري، بل والقيام بتسجيله في قائمة موروثه وحضارته، حديث ذو شجون وستبقى تتكشف حقائقه في وضح النهار دون خشية من عرب أو مسلمين بعدما غاب كذلك الضمير العالمي المتواطئ مع الاحتلال الإسرائيلي، لكن يمكن ذكر بعضاً من تلك الجرائم في سبيل الذكر لا الحصر ومنها ما يلي:

1- إجراء تعديلات على الكوفية الفلسطينية والمطرزات المختلفة وتسويقها عبر ساحات العالم على أنها من ضمن التراث الحضاري للكيان الإسرائيلي ورثها الجيل الحاضر عن أجداده وآبائه!!

2- السيطرة على العديد من المأكولات التراثية الفلسطينية وإلصاقها ضمن قائمة الطعام للعدو الإسرائيلي مثل الأكلات الشعبية الفلسطينية المعروفة في قائمة التراث الفلسطيني والعالمي أصلاً والتي منها: التبولة والفلافل والحمص، والادعاء بأنها مأكولات إسرائيلية موروثة منذ القدم، بل والترويج لذلك من خلال الإعلانات التي تضجُ بها وسائل الإعلام العبرية!!

3- تدمير والسيطرة على الكثير من المعالم الأثرية والتاريخية الفلسطينية منذ العام 1948م من خلال إبادة أكثر من 500 قرية وبلدة فلسطينية وتهجير أهلها منها تحت حمم القذائف والصواريخ قبل السيطرة عليها وتغيير معالمها وصبغها بالطابع العبري.

4- لم يكتفِ الكيان الإسرائيلي المُنغمس في جسد الأمة العربية الهزيل بسرقة التراث الوطني الفلسطيني، إنما بات يعملُ جاهداً على انتزاع حقٍ مزعوم له من خلال صقوق تُصدرها العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية بضغط من اللوبي الصهيوني، وذلك من خلال سعي المؤسسة الإسرائيلية الدائم والطرق على أبواب تلك المؤسسات وبينها منظمة "اليونسكو" لتسجيل قائمة من التراث الفلسطيني المسلوب واعتماده بأسلوب التزوير والخداع ضمن قائمة التراث الإسرائيلي.

إن سفارات فلسطين مشغولة في حفلات ومجاملات للآخرين، أو في تمرير صفقات تجارية هنا وهناك لقادة وسفراء ومسئولين "كما كشفت العديد من وسائل الإعلام" أكثر من مرة، وغير مُتفرغين لبلد أو قضية تعاني ويلات الاحتلال منذ عقود من الزمن

إن السبب في استمرار القرصنة الإسرائيلية لتراثنا الحضاري الذي لا تتسع القوائم الدولية لاحتواء تفاصيله رغم التهجير والتدمير وتغيير المعالم، نتحمل مسئوليته نحن الفلسطينيين في المقام الأول كلٌ حسب مكانته والطبقة التي ينتمي، وأكثرنا في مقام المسئولية السلطة الفلسطينية التي يعمل تحت لوائها الآلاف في السفارات والقنصليات الفلسطينية المنتشرة على تراب عشرات العواصم والبلدان العالمية وتتلقى ملايين الدولارات من ميزانية الشعب الفلسطيني.

تصرف الوزيرة الإسرائيلية سارقة الحق، ماذا لو قام به وزير فلسطيني أو وزيرة وربما قنصلية وتفاخر بتراث الآباء والأجداد في كافة المحافل الدولية؟ لكننا للأسف جعلنا أنفسنا رهائن سلامٍ مزعوم مع الاحتلال وخشينا تصرفاً من هذا القبيل خوفاً أن يتهمنا الاحتلال بـ" التحريض"، هذا رغم أننا نحاول الحفاظ على تُراثنا. ولأننا لم نخطُ خطوةً واحدة للحفاظ على موروثنا فقد وجد "اللصوص" طريقهم ممهدة دون مقاومة أو خشية تؤنب ضمائرهم وربما ضمائر البعض منا، وكما يقولون في أمثالنا الشعبية "المال السايب يعلم الناس السرقة".

إن سفارات فلسطين مشغولة في حفلات ومجاملات للآخرين، أو في تمرير صفقات تجارية هنا وهناك لقادة وسفراء ومسئولين "كما كشفت العديد من وسائل الإعلام" أكثر من مرة، وغير مُتفرغين لبلد أو قضية تعاني ويلات الاحتلال منذ عقود من الزمن، إنما الهمُ الأول لهم اعتبار كل سفارة أو قُنصلية مجرد "مزرعة الوالد" وليست واجهة البلد، وبذلك يُقتل عمر النايف ونبقى صامتين، ويقف غيره على أبواب السفارة لاستعادة حقه في بلد السفارة ولا يجد مجيباً لندائه، وهكذا باتت "إسرائيل" لا تحتاج لتقمص دور الخفاش في عملها، وإنما يكفيها أن تكون "حرباء" تتحرك في النهار أو الليل.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.