شعار قسم مدونات

الصمت غباء أحيانًا!

blogs الصمت

إن الصمتَ ليس دومًا قوة، وهو في أغلب الأحيان ليس زينة، كما أنه ليس من ذهب، وليس كما يُوهم البعض نفسه بأنه وقار وهيبة، ثمة حالاتٍ شتى يصمتُ فيه الصامتون ضعفًا وخوفًا وجبنًا وخشية من المواجهة، وما أكثرهم في زماننا هذا…!

يصمتُ الصامتون، لئلا يكشفوا عوراتِهم، يُفضلون التنحي وحشر أنفسهم في زاويةِ الكبتِ لما يدورُ في أعماقهم، وكلُ ظنهم أن ذلك مدعاة لأن يجعلهم في نظرِ غيرهم أشبه بآبارٍ عميقة، يصعبُ عليهم أن يصلوا إلى قاعها؛ ليعرفوا أسرارها، وأن يحلوا ألغازها، أو أن يفككوا طلاسمها…!

على العكسِ تمامًا، فلطالما فضحَ الصمتُ أصحابه، وأخبرنا عن وهنٍ يُصيبهم، ويكسرُ بنيانهم من الداخل، ويشرح تمزقهم ولوعتهم وحسرتهم، زفرة واحدة من أحدهم في لحظةٍ يعيشُ فيها عنفوانًا وثورية، تُعطينا ما لم تُعطيه كلماته، تقطيبُ جبينه في ذروةِ غضبٍ تُشيرُ إلى نفسيته السيئة، لعقَ لعابه أو بلع ريقه يقولا لنا الكثير، ويقطعا الطريق على صمته؛ فإن صمتَ عن الكلام، وتجمدَ لسانه وانعقد؛ فإن حركاته لم تخمد، ولغة جسده تحكي الكثير الكثير…!

الصمتُ هيبة، لمن يعرف كيف يستخدمه كسلاح ضد خصومه، أو كورقة ضغط لجذبِ من يسعونَ لجذبهم، لكنه داء ومرض لمن يعتمدونه كنهج حياة

أكثرُ من يخبئونَ أشياءهم، نواياهم، مخططاتهم، خلف ألسنتهم، فلا يتحدثون، ولا يبوحون، هم مذبوحون في الصميم من الوريد إلى الوريد، مفضوحون لمن يفهمونَ لغة المشاعر والأحاسيس؛ فتصلهم نوباتُ شرورهم وأحزانهم، مثلما تخترقهم موجاتُ فرحهم وسرورهم.

أشفقُ على هذا الصنف، تسلحه بنهج المواراة والمدارة، يُدارون أوجاعهم وهم لا يعلمون بأنها لغيرهم مكشوفة وواضحة كما الشمس في رابعة النهار، أصحابُ هذا التيار الصامتْ من السهل أن يذوبَ في الآخر، وأن يغرق في متاهاته، وأن يستعبده من أجل تنفيذ مخططاته بحذافيرها، لأنَ البوحَ بما يعتلي نفوسهم من تذمر، لن تتقنه طبيعتهم الصامتة، فتراهم ينغمسون مع كل من حولهم، بطريقةٍ تنمُ عن عدم احترامهم لأنفسهم قبل احترامهم لغيرهم…!

الصمتُ هيبة، لمن يعرف كيف يستخدمه كسلاح ضد خصومه، أو كورقة ضغط لجذبِ من يسعونَ لجذبهم، لكنه داء ومرض لمن يعتمدونه كنهج حياة، تُشعرُ من حولهم بأنهم يعانون من الخرس الاجتماعي والخرس الأسري، خاصةً مع انتشار البرود العاطفي الذي يلفُ بيوت كثيرة، يتذمرُ خلالها الأزواج من حالة الصمت التي تجتاحهم، حالة قد تُعطيهم انطباع بفجوة كبيرة، تُشعر الزوجة بأنها في المشرق والزوج في المغرب، رغم أنهما يجلسا سويًا…!

كثيرون اقتحموا عوالم من حولهم بطول صمتهم، فدخلوا عقولهم وجالوا وصالوا فيها، في رحلةِ اكتشافٍ، نهبوا خلالها كلَ أسرارهم وما يخفونه عن العالم..

على شاكلة الصامتين أيضًا، صديقان اختلفا؛ فتخاصما، وفي قرارة كل طرفٍ منهما نية في الصلح والسلام، لكن كبرياءهما فيمن يبدأ بالمصافحة أولاً تُعيقُ الكلام، فينتهجا الصمت وفن اللامبالاة، هنا صمتهما ضربة في الصميم للمشاعر ولعنة تُلاحقُ الكبرياء الأحمق، والفهم الخاطئ لمبدأ الكرامة، فلو أدركا أن من يبدأ بالسلام هو الأحب إلى الله وهو الأقوى عمليًا لما ترددا في أن يسبقا بعضهما في الصفح والصلح، ففي هذه الحالة الصمتُ ضعف وخيبة وغباء…!

على شاكلة الصامتين أصناف كثيرة، قد لا تتسع تدوينيتي هذه لأن أسردها جميعًا، لكن حسبي أنني عرجتُ على فهمٍ مغلوطٍ للصمت، فلنحذر أن يكونَ صمتنا دليل إشارة على ضعفنا، لنحذر أن يطعننا في خاصرتنا، وأن يشي لخصومنا كلَ ما يدورُ في معتركنا الداخلي من حيثُ لا نتوقع، فكثيرون اقتحموا عوالم من حولهم بطول صمتهم، فدخلوا عقولهم وجالوا وصالوا فيها، في رحلةِ اكتشافٍ، نهبوا خلالها كلَ أسرارهم وما يخفونه عن العالم..

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.