شعار قسم مدونات

أوركسترا الشيطان (5).. عن دور تنظيم الغربان

blogs -isis

في الأجزاء السابقة من أوركسترا الشيطان تحدثنا عن الملحن الإسرائيلي وضابط الإيقاع الأمريكي. كما تناولنا بالتحليل طبيعة دور وأهداف اثنين من العازفين الرئيسيين في الأوركسترا، تركيا وإيران.. اليوم سوف نتحدث عن عازف جديد، بالرغم من حداثة ولادته، إلا أنه أثبت براعته في عزف الألحان النشاز التي قضت مضاجع الأمم في مشارق الأرض وفي مغاربها. تخصص هذا العازف بالنعيق، وقد كانت كل نعقة من نعقاته كافية ليقف العالم كله مذهولا على قدم واحدة.

ولد تنظيم الغربان رسميا في سوريا عام 2014، وهو الابن غير الشرعي لأحد العازفين المشاهير ممن برعوا في عزف الألحان النشاز القذرة في العراق وأفغانستان. لم يعش تنظيم الغربان طفولته كباقي التنظيمات الأخرى، فقد كبر وتعملق بسرعة فائقة أذهلت العالم. فقد استطاع خلال عامين فقط السيطرة على مساحات شاسعة من أراضي سوريا والعراق تعادل مساحة المملكة المتحدة لتكون ساحة لنعيقه.

انضم التنظيم لأوركسترا الشيطان بمجرد ولادته. بل إن كثيرا من الروايات تقول بأن الشيطان نفسه هو من أشرف على ولادته وذلك نظرا للعلاقة الوثيقة التي كانت بينه وبين والد التنظيم في أفغانستان والعراق. ونظرا لبراعة المولود الجديد في النعيق، والذي تغلب بالفعل على براعة والده، فقد أسندت إليه قيادة الأوركسترا العديد من المهمات الصعبة على رأسها تدمير المدن والمجتمعات السنية وتهجير أهلها وتبرير التدخلات الاستعمارية الأجنبية في المنطقة والتشهير بالإسلام وإظهاره كدين إرهاب وقتل وحرق.

بعدما استطاع التنظيم أن ينغرس في قلب المناطق السنية وأن يسيطر على مساحات شاسعة من أراضي السنة في العراق وسوريا، بدأ الناس في هذه المناطق يكتشفون الحقيقة شيئا فشيئا، فهذا التنظيم كان الخنجر المسموم الذي تم زرعه في مدنهم وقراهم.

لا يمكننا إلا أن ندرج تنظيم الغربان ضمن قائمة عازفي أوركسترا الشيطان ذوي الألحان الأكثر نشازا وقبحا. الهدف من إيجاد هذا العازف هو تنفيذ الأجندات الأكثر قذارة على الإطلاق والتي يعجز العازفون الآخرون، بالرغم من براعتهم في العزف، من أن يقوموا بها. وبما أننا استطعنا عبر الأجزاء السابقة من سلسلة أوركسترا الشيطان أن نفهم الهدف النهائي لهذه المعزوفات القبيحة التي تعزف في الشرق الأوسط اليوم، فإنه بإمكاننا أن نجد التفسير المنطقي والموضوعي لكل ما يتعلق بهذا التنظيم ابتداء بتسميته ومرورا بجنونه في الشرق الأوسط ووصولا لنعيقه في قلب عواصم أوروبا.

فبالنسبة للتسمية "تنظيم الدولة الإسلامية" فهو اسم أطلقه عليه الشيطان نفسه عندما أشرف على ولادته. أما الهدف الواضح والذي لم يعد خافيا على أحد فهو ارتكاب كل الموبقات التي تقشعر لها جلود البشرية باسم الإسلام وتحت شعار الله أكبر. أما التصنيف المذهبي الذي اختاره الشيطان للتنظيم فهو المذهب السني تحديدا وذلك لعدة أهداف يتم تحقيقها على عدة مراحل:

أولا: أن المنطقة المحيطة بإسرائيل والتي يراد تفتيتها تمهيدا لقيام إسرائيل الكبرى إنما تتضمن في أغلبيتها الساحقة أبناء المذهب السني الذين يشكلون عصب أي قوة فعالة يمكن أن تقف في وجه المخطط الصهيوني. لذلك فان اعتماد المذهب السني ليكون مذهبا لتنظيم الغربان يهدف أساسا لتسهيل استيطان التنظيم في المناطق والمدن السنية مع ضمان حد أدنى من القبول الشعبي له باعتباره تنظيما سنيا وليس شيعيا. فلو كان هذا التنظيم شيعيا لما أمكنه بحال من الأحوال أن يستوطن في المناطق السنية خاصة مع حالة الاستقطاب الحادة الموجودة حاليا بين المذهبين.

كما أن مخطط زرع التنظيم في المناطق السنية لم ينس في البدايات بأن يرفع شعارات حماية السنة ومحاربة النظام في سوريا ومحاربة الصفويين وغير ذلك من أجل تطمين الناس ومنع أي ردة فعل مقاومة له في المناطق السنية، وهذا ما حصل بالفعل. فقد تمكن التنظيم تارة، وتم تمكينه تارات أخرى من السيطرة على المناطق السنية. ولعل سيطرته على مدينة الموصل كبرى المدن السنية في شمال العراق خلال يوم واحد وفرار فرق كاملة من الجيش العراقي أمامه مع ترك ما لا يعد ولا يحصى من الأسلحة والذخائر والعربات لهو خير دليل هذه السياسة القذرة في تمكينه.

ثانيا: بعدما استطاع التنظيم أن ينغرس في قلب المناطق السنية وأن يسيطر على مساحات شاسعة من أراضي السنة في العراق وسوريا، بدأ الناس في هذه المناطق يكتشفون الحقيقة شيئا فشيئا، فهذا التنظيم كان الخنجر المسموم الذي تم زرعه في مدنهم وقراهم. لكن التنظيم ومع كل الدعم المالي والتسليحي واللوجستي الذي قدمه له عازفو الأوركسترا بطرق مباشرة وغير مباشرة انغرس بسرعة في الجسد السني ولم يعد بمقدور السكان أن يقتلعوه. كما أنه صار يمارس ضدهم أقسى أنواع القمع والاستبداد تحت مسميات تطبيق حدود الشريعة الإسلامية وذلك منعا لأي تحرك مناهض لوجوده.

ثالثا: المرحلة التالية في عمل التنظيم كانت ممارسة النعيق بأعلى الصوت من أجل تبرير استجلاب كل من هب ودب من قوى إقليمية ودولية لتأتي وتسكت هذا النعيق. ولما كانت الشعوب في أوروبا وأمريكا لاهية في حياتها اليومية ولم تسمع صوت النعيق جيدا، أرسل التنظيم خيرة غربانه لينعقوا في قلب العواصم الغربية من أجل اسماع من لم يسمع. جاءت الفرق الموسيقية من أقطار الدنيا كلها من أجل إسكات نعيق التنظيم، لكن النتيجة هي التدمير الكامل والشامل لمدن ومناطق السنة وتهجير الملايين من أهلها منها بلا عودة، وهو المطلوب بالضبط.

تسليم مصر لعبد الفتاح السيسي الذي أخرجها من دائرة اللعب وهمش دورها وأشغلها بمشاكلها التي تتفاقم يوما بعد يوم، وكذلك محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في تركيا مؤخرا تنصب في نفس إتجاه أضعاف المحور السني بكامله ليتوازن مع المحور الشيعي.

رابعا: إن التركيز على تقتيل وتهجير السنة تحديدا لا يعني أبدا حب الشيعة أو التحالف معهم. فالمطلوب في النهاية هو إطلاق المعزوفة الكبرى السنية الشيعية في المنطقة بين إيران من جهة والعالم العربي السني من جهة أخرى والتي ستنتهي بتقسيمها حتما. وهنا لا بد من الإشارة لنقطة هامة للغاية وهي أنه قبل أحداث العراق وسوريا كانت القوة السنية تتجاوز قوة المحور الشيعي بأضعاف مضاعفة مما يشكل عاملا سلبيا يمنع قيام حرب سنية شيعية كبرى باعتبار أن الأطماع التوسعية قادمة من جهة إيران لا من جهة العرب.

إن تدمير العراق ومنحه للمحور الشيعي ومن ثم تدمير المناطق السنية في سوربا والعراق وتهجير الملايين من أهلها إلى أوربا أدى بشكل لافت لانخفاض قوة الردع السنية مما أنتج في الوقت الحاضر حالة من شبه التوازن بين المحورين السني والشيعي، مع ميل الكفة حتى الآن لصالح المحور السني. ولا يجب أن ننسى هنا أن تسليم مصر لعبد الفتاح السيسي الذي أخرجها من دائرة اللعب وهمش دورها وأشغلها بمشاكلها التي تتفاقم يوما بعد يوم، وكذلك محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في تركيا مؤخرا تنصب في نفس إتجاه أضعاف المحور السني بكامله ليتوازن مع المحور الشيعي.

إن الوصول لمثل حالة التوازن سيكون نقطة البداية لإطلاق أكبر وأقذر معزوفة مباشرة بين المحورين السني والشيعي، وهذا ما أعتقد بأن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت العمل عليه من خلال تحريض السعودية ضد إيران ووعدها بتقديم الدعم اللازم. إن هذا السيناريو يذكرني بسيناريو الحرب الإيرانية العراقية عندما حرضت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الرئيس العراقي صدام حسين للتصادم مع إيران ووعدته بتقديم الدعم له، ومن ثم ترك الطرفان يتقاتلان لمدة ثمان سنوات عجاف كانت هي اللبنة الأولى فيما وصل إليه العراق اليوم من تفتيت وتدمير. فالحذر الحذر يا سادة، فالولايات المتحدة لا يؤمن جانبها.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.