أفكار حول الهوية…

blogs - nationality
"منذ أن غادرت لبنان للاستقرار في فرنسا، كم من مرة سألني البعض عن طيب نية إن كنت أشعر بنفسي "فرنسيًا" أم "لبنانيًا". وكنت أجيب سائلي على الدوام: "هذا وذاك!"، لا حرصًا مني على التوازن والعدل بل لأنني سأكون كاذبًا لو قلت غير ذلك. فما يحدد كياني وليس كيان شخص آخر هو أنني أقف على مفترق بين بلدين، ولغتين أو ثلاث لغات، ومجموعة من التقاليد الثقافية. وهذا بالضبط ما يحدد هويتي…"، أمين معلوف. حيث هويتي هي ما تجعلني غير متماثل مع أي شخص آخر.

يمكن أنْ نعرّف هوية للفرد تعبِّر عن انتماءاته، تجاربه، وسماته الفردية كإنسان يتميز بها عمّن سواه، هذه الهوية قد تتطور أو تتغير تبعًا لتطور تجربته وتغير أفكاره. لدرجة ما يمكن أن يشير اسم هذا الفرد إلى هويته – بصورة جزئية أو كاملة – فمثلًا عندما يُقال "عبد الرحمن" فإن الصورة الذهنية المتكونة لدي أو لدى السامع ترتبط بمجموعة صفات عبد الرحمن هذا أو هويته – كلها أو بعضها حسب درجة المعرفة- وربما تتكون هوية زائفة المهم أن الصورة الذهنية المتكونة تعبر عن هوية "عبد الرحمن" لدى السامع، وإنْ صح أنّ للمكان أو أنّ للشيء هوية فعندما يُقال "بورتسودان" فإن هذه الكلمة تستدعي صورة ذهنية لدي تعبر عن هوية مدينة بورتسودان حسب تجربتي ومعرفتي بها.

فكرة الهوية عمومًا هي منتج وتصور بشري مرتبطة بوعيه وأفكاره، وهوية أي مجموعة لا يمكن أن نعتبرها هوية ثابتة لا تتغير مع تقدم حركة التاريخ، فالهوية هي تراكم تفاعلات المجموعة وتجاربها عبر التاريخ.

يمكن أن يقع ضمن مكونات الهوية الفردية هذه، العمل، التجارب، الأفكار، الثقافة، اللغة، الدين وربما مكونات مختلفة أخرى، مجموع هذه المكونات أو بعضها تعبر عن الفرد، قد يَنزع بعض الأفراد للاجتماع والالتفاف حول مكوِّن هوياتي واحد أو أكثر -كالدين أو العرق- أو فكرة فينتج عن ذلك جماعات ذات هوية تتمركز حول مكوّن هويّاتي واحد.

أحيانًا تنتقل هذه الجماعة من الالتفاف حول أحد مكونات الهوية إلى محاولة الهيمنة على مجموعات أخرى ذات مكوِّنات هويِّة مختلفة، محاولة الهيمنة هذه قد ينتج عنها بحث عن سلطة أو الموارد لحماية وجود الجماعة، تحقيق مصالحها أو أهدافها مقابل جماعات أخرى. محاولة الهيمنة أو السعي لحماية وجود المجموعات ذات المكونات الهوياتية المختلفة قد ينتج عنها صراعات أو حروب ضمن الدولة ذات المكونات المتعددة.

في سبيل تجاوز أوضاع كهذه الناتجة عن المجموعات المتأسسة على أبعاد هوياتية مختلفة يمكن أن يتم تعريف هوية المواطنين – ضمن حدود الدولة – على أساس وحدة المصير وهو ما يمكن أن يتم تفكيكه لقيم وأهداف تحمي مصالح الوطن ومواطنيه، بحيث يتحول هَم الفرد من السعي لصالح المجموعة ذات الهوية المحددة ببعد هوياتي واحد لسعي لصالح كل من تجمعه معهم صلة الوطن.

هذه الهوية يجب أن تُعرِّف تاريخ الوطن على أساس تاريخ كل مجموعة، مكتسبات الوطن هي مجموع مكتسبات هذه المجموعات، هوية الوطن هي التاريخ المتنوع المصير المشترك والواقع الذي يحترم الجميع دون هيمنة مجموعة على أخرى. ويظل التحدّي الذي يواجه هكذا فكرة هو تحدِي الواقع، السياسات والإجراءات التي ترتبط به، ابتداء من مؤسسات التعليم، الإعلام، الثقافة، وليس انتهاءً باحترام حرية الأديان، تقاليد المجموعات المختلفة، ولغاتها.

في ظل وجود أي صورة من صور انتظام البشر ضمن مجموعة كالقبيلة، مجموعات التدين أو الدولة تتجاوز فكرة الهوية كونها تعريف للفرد أو للجماعة لتؤدي دورًا وظيفيًا ربما لحماية وجود الدولة -كمثال- ومكتسباتها أو حتى لتحقيق مكتسبات في شتى المجالات بإعتبارها مكتسبًا وطنيًا يصب في تعزيز مكونات الهوية الوطنية، إن توظيف الهوية في هذا الاتجاه ربما يسهم في الإضافة لموروث الجماعة والبشرية لكن ليتحقق ذلك لابد من أن يتم تعريف هوية تشمل المجموعة دون هيمنة مكون على آخر ودون تعصُب يعزل هذه المجموعة عن مجموعات البشر الأخرى- الموجودة خارج إطار الدولة-.

في ظل وجود أي صورة من صور انتظام البشر ضمن مجموعة كالقبيلة، مجموعات التدين، أو الدولة، تتجاوز فكرة الهوية كونها تعريف للفرد أو للجماعة لتؤدي دورًا وظيفيًا، ربما لحماية وجود الدولة نفسها.

فكرة الهوية عمومًا هي منتج وتصور بشري مرتبطة بوعيه وأفكاره، وهوية أي مجموعة لا يمكن أن نعتبرها هوية ثابتة لا تتغير مع تقدم حركة التاريخ، فالهوية هي تراكم تفاعلات المجموعة وتجاربها عبر التاريخ، فمثلًا إذ ما نظرنا للهوية السودانية عبر مسير التاريخ نجدها تنتمي للحضارات القديمة -ككوش-ابتداء، ثم تفاعلت مع مكوّن مسيحي فكانت الهوية نتاجًا لذلك، فتفاعلت مع منتج المسلمين والعرب فتأثرت مكونات الهوية وهي خلال ذلك كله تأثرت بهجرات قبائل الغرب الأفريقي، تحركات قبائل الهضبة الأثيوبية ومورثات قبائل النيل، البجا والنوبة.

في كل لحظة من التاريخ نجد ذات المجموعة تتفاعل مع مجموعات أخرى، ثقافات ومكونات هوياتية مختلفة لتعيد تعريف هويتها كنتاج لذلك. قد تتجه بعض المجموعات أو الدول للمحافظة على مكوّنات هويتها دون تفاعل مع الواقع بدعوى مثالية هذه الهوية أو محاولة منها لحماية مكتسبات، لكن ما أظنه أن محاولة كهذه قد تُخرِج المجموعة/الدولة من حركة التاريخ انعزالا عن منتج البشرية والتفاعل معه وانغلاقًا على الذات دونما تحرك أو تطوّر.

إنّ محاولة كهذه قد ينتج عنها ردة في مسار المجموعة خصوصًا إذ ما كانت مجموعة لا تتقدم في سباق المنتج المعرفي أو الإنساني بشتى مجالاته بالإضافة لكوْن هذه المحاولة لن تمتد -في الغالب- خلال عصر الـ "Social Media" والعالم المنفتح المتفاعل.