شبابنا فيما أفنيناه

blogs - human

شباب مُعطل النشاط مقصوص الجناح يصارع بقواه في اللا شئ على الطرقات حول المؤسسات بين أفنية البيوت، على أطراف الأسواق، شباب يحتار في وجهة يسلكها، أو قبلة يتبعها، يحار دليلاً يقوده، إلى حيث المبتغى، يصرخ حرروا طاقتي، امنحوني حقي في تمكين رؤاي لا تقيدوني بتوافه الأمور، لا تضعوا أمامي هذه العوائق، أخبروني بما علي فعله، علموني ماذا أعمل وكيف أعمل.

كل الُأمم تُبنى على أكتاف شبابها وقد تهدم بأفواه بنادقهم فهذه المرحلة في الواقع سلاح ذو حدين قابل للإصلاح وللإفساد، عالم الشباب يضج بالحركة فمن أستغل هذه المرحلة رفع شأنه وأدخر جهوده في مستقبله، فمن الصواب أن تُشقي شبابك لتُريح كهولتك حارني أمر البعض ممن يُفنون أيام شبابهم في العبث غير مكترثين في البناء لكهولتهم.

أما ترى أولئك الخالدون بأخلاقهم والحاضرون بأفكارهم، وما أروع هذه المرحلة إذا وظفناها في السمو بمجد الأمة وترسيخ مبادئها، فقد نُصر النبي بالشباب حينما خزله الشيوخ.

يا لهم من أغبياء يُهملون تعليم أنفسهم، ويكتفون بالقليل من التجارب بدعوى الاستمتاع بشبابهم، لا يكلفون أنفسهم عناء الحصول على كتاب واحد، أو تعلم فنّ معين يجعل منهم أكثر فهما‘ المستقبل يحتاج لأناس أكثر نبوغاً من أحفادهم فليس من الحكمة أن تظل جاهلاً تسأل أبنائك العلم كن أنت المعلم أي في مكانك الطبيعي، فلو يعلم هؤلاء المستمتعون بشبابهم كيف ستكون نظرة أحفادهم إليهم لاحتربوا في نيل الشهادات وعكفوا على التعلم كل شبابهم.

وهمة البعض في نيل أعلى المراتب صنعت منهم أجداداً رائعين صاروا مصدر فخر لأحفادهم وكانوا أمثالاً عليا لأبنائهم فقلما تجد صاحب شهادات عليا إلا وأبناءه نوابغ في المجتمع، كل هذا ليس لأنهم امتلكوا الذكاء الثاقب، بل لأنهم حينما كانوا تائهين آخذين بأطراف قواهم العقلية والجسدية وجدوا لها مكاناً فاستفرغوا فيه جهد عطائهم واثقين بأن بإمكانهم الوصول إلى ما يريدون وهم يشاهدون تلك الشهادات المعلقة وتلك الكؤوس الموضوعة على منضدة ذلك الكهل الناجح.

علينا أن نمعن التفكير ونحمل ذلك الهم ونخشى تلك اللحظة التي نسأل فيها يوماً عن شبابنا فيما أفنيناه بالتأكيد لن نجد عذراً سوى الصمت، وتبدأ في تأنيب نفسك لتتحسر قائلاً كل هذا العمر ولم أترك شيئاً لأبنائي، لم أحفظ القرآن لم أُلف كتاباً، لم أنل جائزة لم أٌخلد ذكرى لموقف يصنع مني بطلاً قومياً، ولم أقف وقفة حق تدون في تاريخ الأمة.

يكتفون بالقليل من التجارب بدعوى الاستمتاع بشبابهم، لا يكلفون أنفسهم عناء الحصول على كتاب واحد، أو تعلم فنّ معين يجعل منهم أكثر فهما.

كانت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها محقة حينما قالت عجبت ممن بلغ الثلاثون ولم يحفظ الثلاثون كانت تعلم أن ما ينجز في الشباب يتعذر تحصيله فيما بعده، إذاً ماذا عمن وصلوا الأربعين بل والسبعين ولم يحفظوا ولا جزء من الثلاثون، ولم يكتبوا على أغلفة الكتب حرفاً واحداً يحمل اسمهم، إنها حسرة تجعل جموعنا في خانة الفاشلين.

أفلا ندرك شبابنا قبل أن يدركه المشيب ونعود لنتحسر عليه ونتمنى رجوعه لنريه حجم المصائب التي حلت بنا بعد أفوله، وننتهي بقول الشاعر "ألا ليت الشباب يعود يوماً لأخبره بما فعل المشيب". بالتأكيد لن يعود فهي صفحة لن تتكرر في حياتنا فإن أبلينا فيها حسناً صرنا أعظم أمام شعوبنا، بل أمام العالم أجمع،  أما ترى أولئك الخالدون بأخلاقهم والحاضرون بأفكارهم، وما أروع هذه المرحلة إذا وظفناها في السمو بمجد الأمة وترسيخ مبادئها، فقد نُصر النبي بالشباب حينما خزله الشيوخ، فللنصر بشبابنا قبل أن نَخزُل بفوات أعمارنا.