سنة العرب الجب والمخرج (1)

لمدونات - العراق

واقع الجٌب
منذ اللحظة التي أُسقط فيها نظام الرئيس العراقي صدام حسين يوم 9 أبريل 2003، ومصائب العراق تتركز في مناطق العرب السنة، فلم يصب المناطق الشيعية من النار التي أوقدها التخادم الأميركي الإيراني إلا بعض الشرر، ولم يصل أقاليم كوردستان إلا بعضاً من شظايا الدمار الكبير الذي حل بالعراق، فالعرب السنة هم وحدهم من سُعّرت بهم النار، وهم وحدهم المصطلون بجحيمها، وهم وحدهم دون سواهم يعانون آثار ذلك الدمار.

فما أن وطأت أقدام المحتل الأميركي أرض العراق، حتى بدأت مصائب السنة تتوالى والفجائع السنية تكبر، إذ منها انطلقت أحداث رواية دموية تعسفية اسمها اجتثاث الوجود العربي السني من العراق، رواية كتب فصولها قادة الأحزاب الشيعية بأيدي جندهم، وفكرتها الرئيسية اقتبست من العقيدة التي كونتها آيات الشيعة العظام، من خلال فتاويهم ودروسهم، وما غرسوه بنفوس الاتباع، أما حروفها فقد كُتبت بدم العرب السنة.

عمقت داعش حفرة الجب أكثر، وأصبحت مسألة الخروج منه أكثر صعوبة، بعدما شرد الملايين من أهل السنة في العراق من ديارهم، وتحول مئات الآلاف منهم إلى نازحين في مخيمات لا يملكون فيها بالكاد قوت يومهم، ومن بقي منهم في بيته فهو غير آمن على سربه.

بدأت المليشيات الشيعية حال سقوط نظام صدام، وبسند شيعي عربي واسع، بحملة اغتيالات وتهديدات، كان الهدف منها إفراغ البيئة السنية من كل الشخصيات التي تحظى بقبول شعبي، وذات كلمة مسموعة في المجتمع، فقد قامت المليشيات بتصفية أئمة المساجد وخطبائها المؤثرين، وشيوخ العشائر المهمين، والكفاءات العلمية المرموقة، والقدرة العسكرية المعروفة، وفي تلك الفترة ملئت شوارع بغداد عبارات طائفية الروح، سياسية المظهر، كـ"لا بعثية ولا وهابية" والأردني والفلسطيني برا، سلبوا ممتلكات الفلسطينيين والسوريين المقيمين وأخرجوهم من بيوتهم، وتركوهم في صحراء الأنبار..

كانت عملية اجتثاث الوجود السني تجري بهدوء وببطء خلال السنين الثلاثة الأولى، إلى أن جاء يوم 22 فبراير 2006 حيث وقعت حادثة تفجير قبري الإمامين الهادي والعسكري في سامراء، لتكون نهاية لفصل تمهيدي، مهّد المسرح لفصل آخر هو الأكثر دموية، والأشنع إجراماً، إذ قامت المليشيات الشيعية فوراً بحرق وتفجير العشرات من المساجد السنية في بغداد وديالى والمحافظات الجنوبية، تزامنت مع هجمات عسكرية واسعة وقصف مكثف على الأحياء السنية البغدادية، كـ الأعظمية والصليخ والدورة والغزالية وغيرها، ولقد كان لجيش المهدي التابع لـ مقتدى الصدر، وقوات المغاويير التابعة لوزارة الداخلية العراقية الدور الأبرز واليد الأطول في تنفيذ المذابح بحق السنة خلال تلك المرحلة.

خفتت وتيرة القتل بعد عامين من المجازر، مجازر لا يقل عدد القتلى فيها يومياً عن مئة قتيل سني، ثم تصاعدت حملات الاعتقال، وصارت ملامح مشروع اجتثاث وجود العرب السنة وتهميشهم أكثر وضوحاً، إذ أقرت الحكومة خلالها قانون أربعة إرهاب وأردفته بقانون المخبر السري، لتعزز به قانون اجتثاث البعث الذي أصدروه خلال سنة الاحتلال الأولى، فقانون اجتثاث البعث قطعوا به رواتب العديد من المسؤولين والضباط السنة السابقين، وقانون أربعة إرهاب اتخذ وسيلة لقطع رقابهم.

ولقد تمكنوا خلال الفترة الممتدة من 2003 إلى 2008 من إعادة تشكيل هوية بغداد وفق رؤيتهم،، ليحولوها من مدينة ذات هوية متجانسة إلى مدينة ذات صبغة شيعية خالصة، فحيثما اتجهت عيناك تجد صورة لـ علي السيستاني وصورة لـ آل الصدر وأخرى لـ علي خامنئي، وتجد راية الحسين في كل شارع، وترى شعارات الثأر للحسين في كل زقاق، وكل منطقة أصبح لها مسؤول شيعي، وكل شرطي تمرّ به تجده شيعياً، أما كل خائف مترقب وجل فهو سني، وكل من يحمل اسم عمر خرج منها مكرهاً، وكل من يحمل اسم صحابي غادرها مجبراً، مساجدها مهددة، وأئمتها في عين العاصفة، وروادها مغامرون بأرواحهم.

والمخطط الذي نفّذ في بغداد خلال تلك الأعوام، كان له أخوين توأمين أحدهما في البصرة جنوباً والآخر في ديالى شرقاً. وبعد أن أنجزوا مشروعهم في بغداد والبصرة وديالى، انتقلوا إلى الخطوة الثانية، وهي إعادة تشكيل هوية مناطق "حزام بغداد" السنية، كـ الطارمية واللطيفية وأبوغريب وجرف الصخر.. وجعلوا معيشة أهلها معيشةً ضنكا بوسائل شتى، مثل: القطع المستمر للطرق، والمحاصرة، وحملات الاعتقال العشوائية، والمداهمات المستمرة، والإذلال اليومي على حواجز الجيش والشرطة، وإطلاق يد المليشيات لتخطف وتقتل من تشاء، وإغراق محاصيلهم الزراعية أو قطع المياه عنها، ومنعهم من إدخال الأسمدة الكيمياوية اللازمة لبساتينهم.

كل ذلك لإجبارهم على الهجرة، وهذه ذات السياط التي كانت تجلد أهل الموصل وسكان الأنبار قُبيل لحظة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية داعش على المناطق السنية يوم 10 يونيو 2004، فقبل دخولها حوّل الجيش أحياء الموصل إلى ما يشبه السجن، بمدخل ومخرج واحد، ولربما تحتاج إلى كفيل من أهل الحي الذي تقصد لكي تدخله، ولا يتم ذلك إلا بعد انتظار طويل.

فجاءت داعش في اللحظة التي بلغ بها الفرد السني مبلغه من الإرهاق والنصب، جاءت داعش كسيارة إسعاف، لكن مع الأسف الشديد، لم تدلِ بدلوها لتُخرج أهل السنة من الجب كما كان يرجو كل سني مضطهد ومهمش، إنما عمقت حفرة الجب أكثر، وأصبحت مسألة الخروج منه أكثر صعوبة، بعدما شرد الملايين من أهل السنة من ديارهم، وتحول مئات الآلاف منهم إلى نازحين في مخيمات لا يملكون فيها بالكاد قوت يومهم، ومن بقي منهم في بيته فهو غير آمن على سربه، ولا يدري في أي ساعة يختطف أو يقتل، كان مجيئها إجهاضاً لحلم خلاص سني لاح قبس من نوره في المظاهرات السنية التي نضجت سنة 2013.

لا يرى الحشد الشعبي الشيعي في العراق في العرب السنة إلا نواصب تكفيريين، بعثيين صداميين، اتباعاً ليزيد وأزلاماً لصدام، وهو موكل من قبل المرجعية الشيعية العليا بالقصاص منهم، ثأراً للحسين، لذا فهو يسرف في القتل، ويمعن في الإجرام.

أما المعركة المسماة إعلامياً بمعركة التحرير من داعش، فما هي إلا الضربة القاضية للوجود العربي السني المترنح أصلاً بفعل الضربات السابقة المتكررة، إذ نقلت هذه المعركة العرب السنة من سيوف داعش إلى مشانق الحشد، وحولت المدن السنية الخربة أساساً إلى مدن منكوبة، مدن مدمرة لا حياة فيها، ولا تصلح لعيش الإنسان، فمعظم بنيتها التحتية دمرت، وخدمات الماء والكهرباء والتعليم والصحة شبه مُعدمة، وتعاني أوضاعاً أمنية هشة للغاية.

فـ "داعش" كفّرت السكان السنة، وحكمت بردتهم، واستباحة دمهم وأموالهم، لتعيد بذلك إنتاج أفكار جماعة التكفير والهجرة الجزائرية الجيا، أما بالنسبة للحشد الشعبي الشيعي فلا يرى في العرب السنة إلا نواصب تكفيريين، بعثيين صداميين، اتباعاً ليزيد وأزلاماً لصدام، وهو موكل من قبل المرجعية الشيعية العليا بالقصاص منهم، ثأراً للحسين، لذا فهو يسرف في القتل، ويمعن في الإجرام، ذبحاً وقتلاً وخطفاً وتمثيلاً وسرقة للأموال ونهباً وحرقاً للبيوت، لا يخاف سلطة تعاقب ولا يخشى رقيباً يحاسب، فهو يمتلك الشرعية الدينية من خلال فتاوى آيات الله، والسلطة القانونية عبر إقرار البرلمان قانون هيئة الحشد، لتتكامل بذلك أدوار المجرمين، ويُشدّ الوثاق حول رقاب العرب السنة، فعن يمينهم حشد شيعي حاقد وعن شمالهم جيش مجرم حكومي لا يرحم، ومن تحت أرجلهم وبين أيديهم داعش لا يرأف، وفوقهم أمريكي غير مبالٍ، ولا يتقي السني سوء العذاب هذا إلا بصورة الحسين يُعلقها بسيارته، أو سيفاً لـ ذو الفقار يضعه في رقبته، أو يميناً يقسمه بالعباس، وصورة فيسبوكية عند مرقد الإمام الكاظم.

تجاوز ظلم سنة العراق كل مدى، وفاق اضطهادهم كل معقول ولا يفوقهم بسوء الحال إلا وضع الروهينغا في ميانمار، فهم يجتثون بفتاوى الآيات والروهينغا يُقتلعون بتعليمات الرهبان، والعالم يدعم علانية اجتثاث العرب السنه وبصمت يبارك اقتلاع الروهينغا.