شعار قسم مدونات

"نوستالجيا" صنعها واقع مرير

blogs - boy children school
كعادتها الأيام تمر والأحوال تتبدل، وما لى من حميم سوى تلك الكآبة التى تأبى مفارقتى، ولم لا؟ فما المبهج فى بلادنا ليزيل أثرها عن قلبى؟! بل قل ما شاء الله لك أن تقل مما نعانيه من أسوار مظلمة أبت لأنوار السرور أن تسطع فى مملكة قلوبنا.. ولكن! ما عساى فقط سوى الهروب منها إلى ذلك الملجأ الوحيد، وأعلم تماما أن الوصول إليه ليس بيسير ولكنه يبقى الوحيد.

سرير ممهد بأغطيته، حجرتى المظلمة، والهدوء التام فى منتصف الليل، ولكن يشوب الوصول إليها تلك الفترة اللعينة التى تسبق نومى كل يوم والممتلئة بتلك التطلعات المهدومة والآمال التى أصبح الطريق إليها ضبابياً. فى إحدى الليالى تلك، خلعت رداء الاهتمام، وهربت من تلك الأفكار ريثما تأتى تلك الغفوة التى تنتشلنى إلى نعاس مديد قد أعود منه أو لا! وبقلبى أحبذ المعطوف.

كبرت يا صغيري  لتعلم أن بلادك ليست جميلة كما خدعوك فى دروس اللغة العربية فى تلك المناهج العقيمة الجافة، كبرت ياصغيرى لترى زهرة شبابك التى لن تزهر ولن تتفتح إلى الأبد!

أمسكت بجوالى متصفحاً مواقع التواصل الاجتماعى، وإذ بصورة رأيتها لى فى المرحلة الابتدائية مع صديقين آخرين، جعلت قلبى كالبحر بأمواجه الهائجة، أمواج حملت لقلبى السعادة تارة، والحزن والأسى تارة أخرى، سعادة بتلك الذكرى الجميلة لأيام طوت فى ثناياها الفرح، وحزن على زوال الأمل من تلك الوجوه الباسمة عندما كبروا.

دققت النظر فى عيناى كثيرا وكدت أن أدمع شفقةً على براءة التفكير التى انتابت عقلى فى ذلك الوقت وتطلعه لكثير من الأحلام، كشفقةٍ كست جوانب قلب أمٍ على صغارها، ولم لا نشفق على أحلامنا؟! فالمرء بدون طموحاتٍ وأحلامٍ يصبح كالأنعام بل هو أضل سبيلا.

ماذا حل بك ياصغيرى عندما كبرت؟! ما الذى أودى بإنفراجة فمك التى لطالما كانت تزينها أسنانك اللامعة لترسم على جبينك تلك البسمة التى لم أعد أراها؟! أتذكر يوم أن تعلمت بأن فراق المحبين لا يكاد يمر عليه الكثير حتى يعقبه اشتياق كبير؟ فأخبرنى أرجوك! ألم تشتق إليك سعادتك الجميلة تلك؟! ألم تحن إليك البهجة مرة أخرى؟!

أتذكر حينما كنت تحلم بذلك اليوم الذى تريد فيه أن تكبر حتى تتحرر من قيود "انت لسا صغير"؟! كانت تزعجك تلك الكلمات وتؤرقك كثيرا، كنت تتضرع كل ليلة بأنها تكون الأخيرة لك فى عالم الصغار لتكبر وترى ذاك العالم الآخر الديكتاتورى! لطالما جال ببالك الحياة هناك، هل سأكون يوما هناك من المتحررين ولا يوجد مايزعجنى؟ ألن أجد من يأمرنى وينهانى وسأكون حرا طليقا؟ أسأخرج كيفما أشاء، وأذاكر وقتما أشاء، وأرتدى ما أشاء؟ 

ها قد سنحت لك الفرصة ياصديقى لتجيب، ليس فقط لتجيب، ولكن لتعلم أنك حينما تمنيت ذلك العالم فقد كان لك من ضيق الأفق نصيب كبير، ها أنت كبرت، كبرت وكبرت معك القيود ولكنها فى صورة أدهى وأمر، كبرت وعرفت أن ذلك العالم الذى تمنيته ما هو إلا سجن سيودى بكل أحلامك إلى الهلاك، كبرت لتعلم أن بلادك ليست جميلة كما خدعوك فى دروس اللغة العربية فى تلك المناهج العقيمة الجافة، كبرت ياصغيرى لترى زهرة شبابك التى لن تزهر ولن تتفتح إلى الأبد، كبرت ليسلبوا منك طموحاتك وأحلامك وربيع عمرك.

لترى الشباب يُسجن، وصاحب الرأى يُنبذ، والثائر على الظلم يُقتل، كبرت لتسخر من نفسك حينما تمنيت ذاك العالم القبيح، كبرت أنت وذاك الطفل لم يكبر! ألا يوجد من يخبرنا بأى ذنب تقتل أحلامنا؟ أو ينير بصيرتنا بما عسانا أن نفعل لننجو من ذاك الفقر الفكرى المدقع الذى نغوص فيه؟ ألا يوجد بداخلهم قليل من التريث ليوقروا عقولنا وينصتوا إلينا ولو قليلا؟! 

أخبروهم بأننا نكرههم، نكرههم جدا! ونكره كل من أراد أن يدفن عقولنا تحت سطوة ديكتاتوريته، وأخبروهم بأن جهلهم لن يدوم، وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.