ملامح السياسة التشريعية عند أرطغرل

blogs - أرطغرل

بصرف النظر عن مدى الوثوق بالواقعة التاريخية التي تناولها مسلسل قيامة أرطغرل، وبصرف النظر عن الطبيعة الفنية لكتابة القصة، فإن أحداث قصة أرطغرل قد استوعبت، من الناحية القانونية، أهم أطر التنظيم القانوني، وفق المصطلح الحديث، لقيام دولة إسلامية مبنية على أسس تشريعية دقيقة، متوافقة مع المتطلبات العصرية الموضوعية لدولة العدالة بداية، وتأكيداً لدولة العدالة الإسلامية التي تستحق أن تكون معياراً لقياس شرعية أي دولة انتهاءً.

تصدق هنا مقولة أن الفرد هو الذي يصنع التاريخ، والشعوب تكون نتيجة لا صانعة، فأرطغرل بلور فكرة الدولة في عقله، وأنضجها بالموروث التاريخي، وبالظروف التي أحاطت حياته منذ صباه إلى أن قامت دولة إسلامية مترامية الأطراف على يد سلفه الذي استكمل الطريق، وهو إذ قام بذلك، فقد وضع لنفسه، منذ البداية، سياسة تشريع دولة عدالة إسلامية (مرت على التاريخ دول إسلامية غير عادلة)، وأنزل خططها التشريعية بالتتابع وفق كل مرحلة وزمن، وتالياً بيان ذلك:

أولاً: سياسة التشريع:

هل لدى الحركات الإسلامية اليوم سياسة تشريعية مخطوطة على أسس علمية منطقية وفق معايير موضوعية تمكنها من تلمس مستقبلها التنظيمي الحركي بثبات ونور؟

تعني سياسة التشريع الهدف العام الذي تريد الدولة (أو أي جماعة منظمة) تحقيقه من وجودها على هذه الأرض، وغالباً السياسة التشريعية تستمد ثباتها من الفلسفة التي اشتقت منها، ولأن فكرة الإسلام عند أرطغرل هي مصدر السياسة التشريعية، فإن ثباتها كان حتمياً.

يتضح ذلك من فكرة الحق والعدل ونصرة المظلوم واحترام الآخر، وفكرة الجهاد القائمة على مواجهة المعتدي (لا الظالم ولا الكافر)، فكان هدف سياسة التشريع تحقيق قيمة الإنسان في الأرض، وإعطاء الإنسان حقه، ومطالبته بما عليه من التزام تجاه الآخرين.

أرسى خطوط هذه السياسة حوارات أرطغرل مع ابن العربي، وتاريخه الموروث عن أبيه، وفطرته التي خلقه الله عليها وما تميز به من ذكاء، ومتابعة الجهات الأخرى شبه الخفية لحركته وتنقلاته وتفاعله.

ثانياً: الخطة التشريعية:
سياسة التشريع فكرة عامة، أو مظلة واحدة تجمع كل دروب حياة الأفراد في الدولة أو التنظيم، وفي الدولة الحديثة الخطة التشريعية تضعها السلطة التنفيذية على شكل قوانين لتسيير حياة الأفراد (خطة تشريعية). وعند أرطغرل كانت خطته التشريعية وفق الحدث، أو وفق التوقع، ومن مظاهر خطة التشريع لديه:

1- الدستور أو النظام الأساس: ظهرت مرجعية الدستور الإسلامية في شخصية ابن العربي، حيث كانت توجيهاته مصدرها القرآن والسنة والصحابة والتابعين والصالحين، وكذلك بالشيوخ ذوي اللحى البيضاء، وكان دستوره ممثلاً بهذه مصادر التشريع الإسلامي، وسار عليه بثبات. ومن (المسؤول الأكبر) استلم أرطغرل سيفه أولاً، ثم رايته، ثم القرآن الكريم، وشكلت هذه الثلاث ملامح دولة الإسلام الأولى والخلافات الإسلامية نظرياً وعملياً، في حدود التزام تلك الخلافات (جمع خلافة).

2- نظام مكافحة الفساد: وهذا مثّل غالبية حياة أرطغرل ومحاربيه وأعوانه وعائلته اللصيقة به، وكان لهذا النظام معيار موضوعي بحت، حيث تم تطبيقه على أقرب المقربين (أخوته)، وبدون تهاون، وهذا أرسى جذوراً قوية لدولة العدالة الإسلامية المستقبلية.

3- نظام الطوارئ والتعبئة العامة: أي دولة هدفها العام حقوق الإنسان بشفافية ستكون محاربة من جميع الدول، هذا دين الدول في جميع الأزمنة، فكان أرطغرل ومن معه دائمي تعبئة الآخرين وجعلهما جاهزين لوظيفتهم في الأرض، إقامة دولة العدالة.

4- نظام الانتخابات: "عدالة إلى الأبد، حرية إلى الأبد" شعار برنامج أرطغرل الانتخابي، والتزامه بشرعية الإجراءات، مع أنه الأقوى والأجدر، يكشف عن طبيعة تنظيم الانتخابات موضوعاً وإجراءً، وتكوين رأي عام مجتمعي (إدخال النساء في النقاشات)، إن لم يكن بالاشتراك المباشر في العملية الانتخابية، فعن طريق النقاشات العائلية وانتزاع حق المرأة في الحديث في الشأن العام. وشكلت الدعاية الانتخابية المعتمدة على موروث العمل الفعلي لمصلحة الدولة والقبيلة والعائلة والفرد أساس تقديم المرشح أو تأخيره.

هل لدى الحركات الإسلامية خطة تشريعية واضحة لأفرادها بحيث تبعد عنهم المفاجأة والتخبط وتقطع أوصالها وخطوطها؟

تعد عملية اختيار القائد من مجلس يمثل القبيلة كنواة كبيرة للدولة طريقة جيدة إذا خلت من المؤثرات على الأعضاء، وغالباً لم تخل منها. وقد تماشى معها أرطغرل القائد وأكسبها تنظيماً شرعياً (قانونياً) لتعبر عن توجه دولة العدالة القائمة على شفافية الاختيار وموضعيته. وأظهر المسلسل أسوأ وجه للنظام الانتخابي يعمل على إقصاء الآخر والتآمر عليه وهو المال السياسي، وهذا الوجه ما زال يفتك بالتجمعات البشرية دولا كانت أو تنظيمات.

5- نظام العلاقات الدولية: حيث أسس هذا النظام على المنفعة المتبادلة القائمة على احترام حقوق الأنسان، وعلى رفع الظلم عن المواطن، وعلى شفافية نظام الضبط الداخلي لدى الآخرين، وهذا ما شاهدناه في تحركاته في حلب وما دار فيها من أحداث.

6- نظام العلاقات الداخلية: حيث تمسكه بشرعية الدولة الحاكمة التي تؤمن الحماية والأمن للناس (السلطان علاء الدين)، وعدم محاسبة الدولة على تصرفات رجال فاسدين فيها (سعد الدين كوبيك)، هذا مؤشر موضوعي لفكرة الدولة، وفصل الدولة ككيان منظم عن الدولة كمسؤول فاسد. ويمكن التعرض لكثير من الأنظمة التي بناها أرطغرل في فكرته، وطبقها على الواقع، فانشأ كيانا سياسيا (خلافة) غطت معظم تراب اليابسة.

السؤال الآن: هل لدى الحركات الإسلامية اليوم سياسة تشريعية مخطوطة على أسس علمية منطقية وفق معايير موضوعية تمكنها من تلمس مستقبلها التنظيمي الحركي بثبات ونور؟ وهل لدى الحركات الإسلامية خطة تشريعية واضحة لأفرادها بحيث تبعد عنهم المفاجأة والتخبط وتقطع أوصالها وخطوطها؟ وهل يتحقق داخل الحركات الاسلامية مبدأ سلاسة الانتقال القيادي بين أجيالها؟ أي هل يوجد نظام انتخابي يكفل بشفافية رأي الآخر داخل الحركات؟

أسئلة كثيرة تبدأ من مسلسل أرطغرل ولا تنهي عند مقالنا هذا، وكل حركة تحلم بإقامة دولة عدالة إسلامية تعيش في اطمئنان، وتكفل الأمن والأمان للآخرين، فإن كان الأمن والأمان والاطمئنان غير متوفرة لأفراد الحركة الواحدة، فلا تقل أنها يمكن أن تقيم دولة أرطغرلية في المستقبل، فالطريق واضح، ويبدأ من محاربة النفس ولا ينتهي بمقارعة الآخر.