عندما تنقلب الموازين

blogs - الدين

نحن في عام 1438 وفق التقويم الهجري الموافق لسنة 2017 من التقويم الميلادي. كل شيء معكوس تماماً، الطيب خبيث والخبيث طيب، الأمين خائن والخائن أمين، التقي شقي والشقي تقي، الصادق كاذب والكاذب صادق، المجدد مقلد والمقلد مجدد، الجلاد ضحية والضحية جلاد، العادل ظالم والظالم عادل، العاقل سفيه والسفيه عاقل، الوصولي نزيه والنزيه وصولي وهكذا…
 

إن انقلاب الموازين في عصرنا لهو من صدق نبوة محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والتسليم. أليس هو من قال: "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خُدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ. وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ. وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِين وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَنْطِقُ فِي أَمْرِ الْعَامَة". وقد ورد الحديث في سنن أبي داوود. مسند الإمام أحمد. صحيح الألباني.

هذا إذا علمت أن كل ذلك من مقتضيات الوحي سيبدو عندها الأمر طبيعياً ومعه تزول الحيرة وتتقوى الهمم والعزائم، في ظل ما سبق ليس غريباً أن يخرج علينا رويبضات العصر من عملاء الاستعمار القديم الجديد بأفكار وأطروحات معادية لدين رب العالمين في ظل حماية شديدة من قادة المعتقل الأمريكي أو ما يصطلح عليه إعلامياً بالوطن العربي. وتضاف إلى هذه الحماية العربية المباركة! نصرة غربية أمريكية بالمال والرجال والفكر.

هذا الدعم اللامشروط لرويبضات العصر يقابله تطويق حديدي لدعاة التغيير والإصلاح أو ما يسمون في ميزان العصر بالرجعيين! وما ذنبهم إلا أن قالوا ربنا الله، وما ذنبهم إلا أن رفضوا الركون للباطل والخضوع للذل؟ وما ذنبهم إلا أن أبوا أن يكونوا معولاً لهدم دينهم! أليس المنطق يقتضي أول ما يقتضي أن يترك لهؤلاء كما ترك للآخرين هامشا من الحرية لعرض تصوراتهم للناس؟ فإن يكونوا صادقين يصيبوهم بعض الذي جاؤوهم وإن يكونوا كاذبين فعليهم كذبهم.
 

المداولة بالتعريف ما هي إلا التحول والتقلب في الأحوال، موازينهم ندوسها بأقدامنا، الدين وإن كره الكافرون مصدر إلهامنا، والنصر حليفنا وإن ضعفت عدتنا.. الباطل ممحوق وإن استشرى في أوطاننا.

من هنا يصفو الجو للعلماني واليساري والليبرالي والحداثي لعرض باطله على الناس، يسرح ويمرح كما يريد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. ينتقد من يشاء وكيفما يشاء وفي الوقت الذي يشاء. له الإذاعة والإعلام كما له الجواري والحسناوات! وفي ظل هذا الوضع يصبح الدولار مبيحاً للمحظور. فلا الأخلاق تشكل قيمة يرجع إليها ولا الدين ينبغي التحاكم فيه.
 

والأخطر في كل ذلك أن يتقمص أمثال هؤلاء أدواراً طلائعية تؤهلهم لأن يصبحوا فقهاء ومفسرين بل ومحدثين! وهكذا يخرج الجابري بثوب المفسر وهو كبيرهم الذي علمهم السحر بقراءات وتأويلات تافهة لكتاب الله عز وجل. فيقدم ما من حقه التأخير ويؤخر ما من حقه التقديم. يصبح النص القرآني مثيلاً للنص الأدبي والنقدي أما عندما يصبح الجابري فقيهاً فتلك مصيبة أعظم.

الحلال يصبح حراماً والحرام يعود حلالاً. فالتعدد مثلاً عند الجابري الأصل فيه التحريم والجواز ما هو إلا استثناء! والاستثناء طبعا لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره. أما في الميراث فإن للذكر مثل حظ الأنثى لا الأنثيين ومبرر فقيهنا الجابري: أن المرأة في "عصرنا لم تعد مجرد ربة بيت بل صارت تتقلد مناصب عليا في السياسة والاقتصاد والاجتماع".

وكل ذلك في نظر الجابري يشكل مبرراً قوياً لتعطيل النص، كذلك الأمر بالنسبة للحدود الشرعية فهي فرضت لتطبق في عصر معين وفي ظروف معينة أما الآن فلم تعد الحاجة ماسة إليها ومن هنا تختلط السيسيولوجيا بالشريعة فتصبح الأولى ميزاناً ومرجعاً للثانية. عندما يفرغ الجابري من هذا يرتدي هذه المرة رداء المحدث فيصحح ما يشاء ويحسن ما يشاء، ويضعف ما يشاء من الأحاديث. والضابط في ذلك طبعاً ليس ما أجمع عليه علماء الحديث لأن ذلك مما تجاوزه روح العصر، بل الضابط في ذلك ما تهواه نفس الجابري من قواعد التاريخ وما ينسجم مع فكره الحداثي المختلط بنفحات تراثية.
 

إنه من منظور ميزان عصرهم تشكل ترهات وهرطقات الجابري فهماً سليماً ونهجاً مستقيماً للدين. أما فهم غيرهم من الفقهاء وأهل العلم والبيان وإن أتوا بالدليل والبرهان فليست إلا أفكاراً عقيمة وقراءات سقيمة تجاوزها العصر ومصيرها الخسارة.

لكن هيهات ثم هيهات أن نجعل أبصارنا تخضع لموازينهم الفاسدة، أليس ربنا يخبرنا في محكم تنزيله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.. فإن كان الزمان زمانهم فإن التاريخ علمنا أن الأيام لا تستقر على حال. يقول تعالى {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}. والمداولة بالتعريف ما هي إلا التحول والتقلب في الأحوال.. موازينهم ندوسها بأقدامنا.. الدين وإن كره الكافرون مصدر إلهامنا.. النصر حليفنا وإن ضعفت عدتنا.. الباطل ممحوق وإن استشرى في أوطاننا.