صديقى المغترب، أما آن أوان العودة!

blogs - Arport
ما أبعد الديار وأقرب ساكنيها! في قاموس الحياة عندي لا فرق بين الرحيل الدائم في قطار هؤلاء المسافرين إلى الدار الآخرة وهؤلاء الراحلين رحيلًا مؤقتًا إلى خارج أقطار البلاد في رحلة عملٍ أو ما شابه، لكلا المفهومَين عندي نتائجٌ مشابهة (رحيلٌ لا مفر منه إلي مجهولٍ لا ندري عنه إلا حروفه الخمسة من الميم إلي اللام)، والخوف من عواقب هذا الرحيل تتضاعف عندي يومًا بعد يومٍ حتي وصلت في أعماقي إلى حد المرض المعروف صحيًا بالفوبيا أو الخوف الشديد.

صديقي السلفي الذي جمعتني به أحداث عظام في دورات تحفيظ القرآن الكريم وإمامة أحد مساجد القاهرة لم أعرف بسفره إلا في الليلة التي حزم فيها حقائبه متجها إلي مطار القاهرة وتحديدًا إلي صالة المسافرين إلي المملكة العربية السعودية، في الحقيقة كنت أعرف بأمر سفره لكنني أجلت زيارتي إليه حتي الليلة الأخيرة التي تبقت له في مصر فقط لأنني كنت خائفًا… أخاف وبشدة من لحظات الوداع.

لله در أولئك الصابرين علي غربةٍ – وإن كانت قريبة – لا تعرف عن الرحمة أي شيء، الله الله لهؤلاء الموجوعين بآلام الفراق والخوف من فقدٍ قد ينال من رحلوا فتشقي قلوبهم أبد الدهر.

خالي الذي سافر إلي إحدي دول الخليج في رحلة عملٍ دخلت عامها السادس بحلول هذا العام الميلادي الجديد، لم أتمكن من توديعه في صالة المسافرين كبقية إخوتي، وانفردت بنفسي وحيدًا في غرفتي حتي رجع الجميع، وعندما سألني كل الحاضرين حينها عن سبب غيابي عن مراسم الوداع تعللت بعللٍ واهية وبقيت الإجابة الحقيقية بداخلي ( لقد كنت خائفًا كالعادة في لحظات الوداع).

صديقي الذي ذهب إلي ماليزيا لإكمال دراسة الهندسة العام الماضي ودعته قبل سفره بأسبوع، وأغلقت هاتفي بعدها ما يقارب الأسبوع حتي لا أهاتفه قبل رحيله مباشرة والسبب الوحيد ( لقد كنت خائفًا)… الأمر ازداد عندي سوءا عندما قرر أحد أساتذتي القريبين السفر، لم أتمكن حينها من فعل شىء سوي الاعتراض علي هذا القرار، لمّا سألني عن سر اعتراضي المفاجىء لم أنطق بكلمة واحدة، فقط شردت في هذا المجهول الذي يخيفني واكتفيت بشعوري أنني خائف من الفقد، بعد سفره بأسبوعين، وبعدما بات أمر غربته حقيقة لا مفر منها هاتفته للاطمئنان عليه، ثم دخلت بعدها في نوبة بكاء. 

أنا لا أفهم الفرق بين الغربة التي أعيشها بعيدا عن والدي للدراسة – وإن تخلّلها زيارةٌ كل أسبوعين علي الأكثر- والغربة التي تُقصي أحد الأحباب خارج حدود البلاد لأعوامٍ قد تطول لعقود، هذه من مسببات الألم وتلك من نتائجها عذاب لا ينتهي.

لله در هؤلاء الصابرين علي غربةٍ – وإن كانت قريبة – لا تعرف عن الرحمة أي شىء، الله الله لهؤلاء الموجوعين بآلام الفراق والخوف من فقدٍ قد ينال من رحلوا فتشقي قلوبهم أبد الدهر. الآن يا صديقي البعيد أناشدك: عُدْ سريعًا فإن قلوب الأحباب آلمها هبوب عواصف الفراق وبداخلها سؤالٌ محير: أما آن أوان العودة أيها المغترب أم أن الحياة هناك في الغربة البعيدة أرق وأجمل؟!