سِِتّي يا قطعة سكر

blogs عجوز فلسطينية

تمضي السنون يا جدتي وكلي حزنٌ على أيام جميلة مضت معك ولكن شاءت الأقدار أن تفرّقنا وتذهبي إلى ما هو مقدّر لكِ في اللوحِ المحفوظ، لكن استحضار الذكريات تعيد رائحة الشيء العتيق جاعلةً منه شيئاً جديداً فواحاً ذو رائحةٍ مميزة. جدتي اسمها كاملة، ويكأن الاسم كان من نصيبها. عند العرب، تعارف الناس على اسم كامل وكمالين، وهلم ما جرى، ولكن الكمال لله.

 

جدتي كان لها الحظ الأوفر من اسمها، فقد كانت كاملة الأوصاف، ممشوقة القوام، عيناها جميلتان إذا اكتحلتا زادتا حسناً وجمالاً، لها شَعر طويلٌ منساب مرسل، أسود كان في شبابها بديع، وأجمل كان حين كساه الشّيب حيث بدا مبتهجاً بالحنّاء، يلمع من شدة رونقه. شديدةُ اليقظة هي لما يدور حولها حتى أخر أنفاسها، تتحسّس همساتنا فتفسرها وتصدح بها بعد ذلك فنُذهل جميعاً أنها تعرف ما تمتمت به شفاهنا، والأمر كان أكثر من ذلك، كانت تعلم ما يختلج عقولنا وما تحكيه عيوننا. لم يكن يحصل هذا معنا فقط، بل كل من عرفت، تفهم وتحلل ما يقول وما يقصد مما يقول. ولكن ظروفها حتّمت عليها أن تكون الساعد الأيمن لأبيها، تغدو في الحقول الواسعة، تسقي الأشجار، وترعى الأغنام، وتخبز على الصاج وفرن الطينة لتكون المحصلة خبزاً مدوراً منقطاً بالأسود من النار.

تزوجت جدتي من ابن عمها وأنجبت خمس نجماتٍ كانت أمي أصغرهنّ كن سر الحياة على الرغم من قسوة الظروف التي تراكمت على كاهلها. جدي -رحمه الله – كان من مجموعات الفدائيين، قضى عقداً من الزمن في سجون الاحتلال كانت الأشدُ مرارةً عليه وانتهى به المطاف مبعداً إلى لبنان لتبدأ حياة بلونٍ جديد على كلا الزّوجين. في ذلك الوقت خالتي الأكبر كانت أرملة في مقتبل عمرها، وعهدت على نفسها تربية أبنائها في بيت زوجها، أمّا خالاتي، كن صغار وفي حاجة إلى رعاية فاستحال على جدتي ترك غزة واللجوء إلى زوجها، فطلبت منه أن يتزوج علّه يأتي بأولاد ذكور، يكونوا سنداً وعونًا لخواتهن الإناث. تمّ الزواج بناءً على رغبتها وأنجبت زوجته ثلاثة كواكب ونجمتان انضممن للخمس السابقات وتحققت رغبة جدتي وأمي وخالاتي في وجود أخوة ذكور في حياتهن على الرغم من المسافات.

زاد الخوف في قلبها عندما تزوجت أمي وخالاتي. كانت تُظهر للجميع بأنها امرأة بمائة رجل وألا أحد يستطيع أن يجرؤ على التفوه بكلمة أمامها، ولكن قلبها كان أضعف بكثير مما بدت الصورة الخارجية على مُحيّاها

مشكلة الذكور في حياة جدتي!! كانت، سلام الله عليها تحب أن تلد الأنثى ذكوراً. عندما تزوجن أخواتي كانت تدعو لهن "الله يْبَخّتْ إلكنْ يا ستي بالصُبيان". ظروفها الصعبة جعلت من شخصيتها أن تحب إنجاب الذكور أكثر من الإناث ولكن هذا لا يعني أنها لا تحب الإناث، فقد كانت الأم والجدة الحنونة، كانت لا تنفك تطمئن عن حال بناتها وحفيداتها وتتمنى السعادة الأبدية لهنّ. جدتي، كما ذكرتُ سابقاً أنجبت خمس بنات، وجدي المغترب كان الذكر الوحيد في العائلة مع خمس أخوات، وأخوة جدتي كانوا من الأدمغةِ التي هُجّرت إلى أوروبا، وبذلك حرمت الأسرة من نعمة الأب والعم والخال. قضت عمرها في زُقاق مخيم الشاطئ في غزة، البيوتُ متلاصقة مع بعضها البعض يفصل بينها ممراتٍ ضيّقة تكفي لشخص واحد وكانت الأوضاع الأمنية في تلك الفترة صعبة، فكانت من شدة الخوف تضع أحذية الرجال على باب منزلها وتنادي بأسماء رجال لتُوهم السامع أنّ منزلهم يقطُنه الذّكور فَيَهابُ أيّ شخصٍ المَساس بحُرمته، لذلك أدركت نعمة وجود الرجل في حياة الاسرة. 

زاد الخوف في قلبها عندما تزوجت أمي وخالاتي. كانت تُظهر للجميع بأنها امرأة بمائة رجل وألا أحد يستطيع أن يجرؤ على التفوه بكلمة أمامها، ولكن قلبها كان أضعف بكثير مما بدت الصورة الخارجية على مُحيّاها. عاشت وحيدة ورحلت وحيدة. تسنّ لها فترة يسيرة أن تلتقي بزوجها عندما جاءت منظمة التحرير الفلسطينية إلى قطاع غزة في عام 1994، ولكن اختلفت الظروف، جاء جدي مع أسرةٍ جديدة وزوجة جديدة فثقُل الأمر عليها في بادئ الأمر لأن طبيعة الأُنثى هي كذلك، ولكن عبارة "أخف الضّررين" هي لسان حالها، فزوجها أعاده الله بالسلامة بعد غياب وأولاده الذكور الثلاثة سيكونون إلى جانب بناتها. روح جدي صعدت الى السماء في عام 1998 ولم تكتمل الفرحة باللّقاء ولمّ الشمل. توفي بعدها بأربعة سنين من مجيئه إلى غزة عن عمر يناهز قرابة ال 60 عاما، لم تعوض بهن جدتي عن الحنان الذي فقدته طوال تلك الأعوام البالِية التي قضتهم بين أملٍ وانتظار.

كانت زياراتنا لها أشبه بالرحلة إلى عالمٍ مُختلف، فقِصصُ الماضي وأغانيها وحواديتُ الجيران والقِرشلة مع الشاي، كل ذلك كان شيئا ذو أهمية في منزلها الأرضيّ القابِع في المخيّم . هذا المنزل تغطيه ألواح "الأسبست" للحماية، ونصفُ فتحة من فوق جعلت منه منفساً للهواء وكذا فيه جدران متشققة آيلةٍ للسقوط لا تقي برد الشتاء ولا تلطّف الجو في الصيف، لكن معالمُ المنزل جميلةٌ فهي كالمتحف الأثريّ والحائط مليءٌ بالنقوش من قدم الدهان فشيءٌ لازالَ باقياً وشيءٌ تناثر وسقط، راسماً من خلالها الصور والأشكال التي هُيّئتْ لجدتي في سَاعاتها التي كانت تقضيها لوحدها في المنزل. في كثير من الأحيان كانت جدتي تردد على مسامعنا أغاني تلطيفاً للجو وخشية السآمة علينا، والحظ الأوفر من تلك الأغاني كان يخص جدي "علي" فكانت تغني، " ألائي زَيّك فين يا علي، وإنت في الألب والعين يا علي".

زرعت في قلوبنا حب الوطن الذي غادرته، حيث كان من الأحاديث التي لم تنفك التحدث بها آناء الليل وأطراف النهار بتنهدات تحمل فيها الحسرة على وطن ضاع من أصحابه بطريقة أشبه بالخيال

جدتي من مواليد قرية "الجورة"، من القرى الفلسطينية التي هُجّر سكانها منها قسراً في عام ال1948، في تلك الأيام المظلمة، بعمر ال 14 عاما، عاشت فترة الهجرة والقصف والحرمان، الناس يهيمون على وجوههم للفرار من الموت المحقق الذي طال القرى المجاورة، والسماء رمادية اللون لشدة غضبها من الظلم الواقع والبحر غير البحر. كل شيءٍ بَدا غير الذي كان عليه كأنّه نذير شؤمٍ وعلامة تعاسة جديدة تُرسم ملامحها على وجه الفلسطيني. كان هذا له الأثر الأكبر عليها وعلى أقرانها في حكايتهن عن وطنهن، بيد أن الحكاية من فِيه جدتي لها طعمٌ خاص ومذاق مميز يؤثر في السامع ويشحنُ عواطفه ويجعله مرة يبكي ومرة يبكي ومرة يبكي وفي الأخيرة يضحك.

 

زرعت في قلوبنا حب الوطن الذي غادرته، حيث كان من الأحاديث التي لم تنفك التحدث بها آناء الليل وأطراف النهار بتنهدات تحمل فيها الحسرة على وطن ضاع من أصحابه بطريقة أشبه بالخيال. كانت تصف بلدها الذي نشأت في أحضانه كأنه جنة الله في الأرض، تتكلم عن الأراضي الواسعة الغنية بكل أنواع المحاصيل، تتكلم عن بيارات البرتقال وكروم العنب والتين، تتكلم عن الشاطئ الأزرق الذي تقف تتأمله عند غروب الشمس، تحكي لنا عن قصصها مع المواشي من الأغنام والابقار حيث كانوا مسؤولية كما لو انها انجبتهم، "الحديث يزداد أنسا مع الحيوانات" قالت جدتي. أحبت بلادها بأرضها وسماءها وجوها وبحرها وأهلها حب العاشق المتيم. لطالما كانت تتمنى وتدعو الله بأن يرزقها العودة إلى وطنها الحبيب ولكن حال الموت بينها وبين أمنيتها من أن تتحقق في أبريل من عام 2014.