سترة النجاة تحت المقعد

blogs- سترة
سترة النجاة تحت المقعد.. عبارة تُكتب على ظهر كل كرسي من كراسي الطائرة، يقرأها كل مسافر بالطائرة وجلس على مقاعدها وقبل أن تبدأ الطائرة بالارتفاع عن سطح الأرض تقف المضيفة لتشرح للمسافرين مكان سترة النجاة وكيفية استخدامها، لكي تنشر الأمان في قلب كل مسافر أنه بحال تعُرض الطائرة لأي خطر فإن النجاة سهلة ميسرة بمجرد ارتدائه لسترة النجاة، فيغمض المسافر عينيه مسترخيا مطمئنا بأن رحلته ستكون آمنة مريحة.

وأنت! عزيزي الإنسان المسافر في رحلة الحياة، هل فكرت يوما بسترة النجاة في حياتك وبعد مماتك.. هل فكرت كيف ستواجه أخطار حياتك و مطباتها الهوائية، هل وضعت سترة نجاة لك تزرع مفردات الأمل في حنايا نفسك لو تهاويت في وديان اليأس.. سترة النجاة موجودة في حياة كل منا و نصب عينيه، لكن الكثير منا يغمض عينيه متجاهلا إياها، أو يشيح بوجهه عنها كي لا يرى بعينيه إلا الهاوية و السقوط، فكثير منا حين تملأ الدموع عينيه و يغلق قلبه على سواد اليأس، و ينتحب على حظه العاثر المتعثر.. و يفقد كل أمل.. ينسى أن الحياة لن تتوقف ها هنا، و أنها لابد أن تسير، سواء بدموعه أو بابتسامته، و شتان بين الإثنين، و الاختيار له و بيده هو.


الإيمان بأن الله هو الرب الواحد الأحد الذي يملك كل مقاديرك وكل حياتك وكل نفس تتنفسه.. الإيمان بأن الله ينظر إليك ويسمعك ويرعاك ويأخذ بيدك لتنجو بالآخرة.. الإيمان بأن الله وحده من يرفعك ويخفضك.. و هو وحده من بيده أن يعزك أو يذلك.

كم من قوة أخرجت ضعيف من دائرة ضعفة فكانت نجاته فيها.. وكم من ضُعف لم يحسبه من يملكه ذا قيمة، فكانت النجاة فيه ومعه، فسيدنا موسى عليه السلام كانت العصا بيده لا يملك غيرها، هي سبب نجاته من أعتى الجيوش وأكثر الملوك جبروتا وقسوة، إذ فلق البحر بعصاه الضعيفة ليصبح ممرا له و لقومه، و بعصاه نفسها أغلق البحر على عدوه ليفرقه و يصبح عبرة لمن يعتبر.


و أما سيدنا يوسف فكانت سترة نجاته قوة لا يملكها هو، بل ساقها الله له بقدرته، فأخرجته من سجنه و جعلته عزيز مصر، سترة نجاته كانت رؤية، ساقه الله بها من حيث لا يدري ليصبح ملك مصر و سيدها، فأنجته ثم رفعته ثم جعلته ملكا يفوق ملكه ما تصور في يوم من الأيام.. والشواهد كثيرة وكثيرة، فلكل واحد منا سترة نجاة تنجيه من تقلبات الدنيا وعثراتها. 


ربما لو قرأنا ما حولنا بقلوبنا لا بأعيننا لوجدنا سترة نجاتنا قريبة جدا منا، تحمينا من كلمة عابرة أو يد غادرة أو دمعة مؤلمة أو غصة قاتلة.. قد تكون سترة النجاة يد صديق حانية تسند ضعفنا فنصبح أقوى، أو تكون دعوة أم خفضنا لها جناح الذل حبا لها و برا بها و طاعة لمن أمرنا ببرها، أو تكون فكرة خطرت في لحظة مناجاة على بالنا و كنا فد قضينا أياما و ليالي و نحن نبحث عن إبرة في كومة قش.


قد تكون.. وقد تكون.. لكن من العجب في الأمر أن سترة نجاة وحيدة قد قيضت للعباد جميعهم في كل أحوالهم وعلى اختلاف أجناسهم، سترة نجاة لو اتخذها العبد مسيرة له في حياته لكانت له النجاة والفوز الكبير في الآخرة ألا وهي الإيمان برب العزة والعمل بمقتضى هذا الإيمان.. الإيمان بأن الله هو الرب الواحد الأحد الذي يملك كل مقاديرك وكل حياتك وكل نفس تتنفسه.. الإيمان بأن الله ينظر إليك ويسمعك ويرعاك ويأخذ بيدك لتنجو بالآخرة.. الإيمان بأن الله وحده من يرفعك ويخفضك.. و هو وحده من بيده أن يعزك أو يذلك، و هو وحده من يسعدك و يحزنك و يغنيك و يفقرك.


هذا الإيمان يدخلك في دائرة العبودية لله وحده دون أي من خلقه، فتشعر في الدنيا أنك تملك عصا موسى و حلم يوسف و حوت يونس، و توقن أنك في الآخرة تملك مفتاح النجاة من النار فتعبر بيقينك إلى جنة الخلد مع الأبرار .