شعار قسم مدونات

حياة أخرى

سجن2
هناك خلف القضبان حياة أخرى، لا تعرف الترف، ولا تعرف الخطابات الرنانة، هناك تخلق الحياة من رحم الموت، أجسامٌ هزيلة وهامات مرفوعة، لا كروش، لا ربطات عنق، لا موائد على شرف العروبة، خلف القضبان تراهم بالماء والملح ينثرون علينا كرامة.

هناك لا ينتظرون اعتصامًا، ولا يرتجون مدحًا، لا وقت لديهم للأحلام، يسهرون مع الجوع، يرافقون العطش، يموتون فتولد لهم ألف أسطورة، يتألمون فتنزف فينا جراح كنّا على وشك أن ننساها، هم فقط من يتذكرون أنّ للعربي عزة ينبغي ألا تموت. 

هؤلاء الأسرى ليسوا مجرد أرقام في سجون كيان مغتصب، إنّهم ثريّا في ليلنا القاتم، هؤلاء من يبقون لنا بصيص أمل في ألا تُنسى القضيّة، يسترون عورات من تاجروا ومن فاوضوا، يقفون كالشوكة في حلق كل من راهن على نسيان فلسطين.

إنّ لهؤلاء الأسرى هيبة لا نستطيع مجاراتها، لا نستطيع الوقوف أمام عظمتهم، أقسى ما نستطيع عمله لهم هو أن نضع شعارا جانب صورنا المائلة تضامنا معهم.

هم أسرى خلف قضبان من حديد، ونحن أسرى في سجن مفتوح، هم ينزفون أعمارهم كرامة، ونحن ننزف كرامتنا انحناءً، لهم دعوات تُفتح لها أبواب السماء، ولنا دعوات لا تستجاب، أنينهم صلاة، وجوعهم شموخ، أمعاؤهم الخاوية حبال إلى الله، ووسم من عار على جباهنا أجمعين.

نقرأ قصصهم كل يوم، ندرك معاناتهم، حللنا أعراض جوعهم، أتخمنا مواقعنا بأخبارهم، ماذا قدمنا لهم؟ متى نستقي منهم بعض ما عندهم؟ هل يحتاجون تضامنا على صفحات الفيس بوك؟ هل ينتظرون أن يصبحوا أبطال ليالي السمر في سهراتنا؟ لا والله، إنّ ذلك عنهم ببعيد، هم يقدمون لنا دروسا في صراع البقاء، يحاولون أن يزرعوا بنا ثوابت الحقّ الذي نسينا وآن له أن يعود.

إنّ لهؤلاء الأسرى هيبة لا نستطيع مجاراتها، لا نستطيع الوقوف أمام عظمتهم، أقسى ما نستطيع عمله لهم هو أن نضع شعارا جانب صورنا المائلة تضامنا معهم، أوشكت أجسادهم أن تصبح أشباحًا، أصواتهم خفتت، لا يحملون سلاحًا، لا يصدرون ضجيجا، يخيم عليهم الصمت في زنازينهم، ولكنهم يسطرون لنا روايات قلّ مثيلها، يقدمون أنفسهم قرابين للحرية، جعلوا من صمتهم قنابل في وجه المغتصب، أناروا عتمتهم ببريق عيون أرهقها الجوع.

كغيري الآن لا أجيد إلا الكلام، فأنا أتناول وجبة فطوري لأفكر بوجبة الغداء، وأقيل لأصحو نشيطا للعشاء، لا أعرف الجوع، المياه المعدنية لا تسمح لعطشي بأن يزعجني، مفارقات عجيبة، بكل هذا ماذا قدمت ليحيا غيري؟ بكل هذا الترف ما قضيتي التي أحمل همّها؟ لا شيء عندي، كل الأشياء هناك خلف القضبان.

لكم مني تحية وانحناء، أنتم تاج الرأس ونحن الأذلة، أنتم التاريخ ونحن الزبد، لكم مني ضجيج من كلام، ولي منكم كثير من كرامة، هنيئا لكم بمائكم المالح الذي يروينا كرامة كلنا عطاش لها، ولي ترف العيش الذي لا عزة فيه، لكم صمودكم ولي بقايا إنسان، أنتم الفخر، أنتم الحياة، أعيرونا بعض ما عندكم…

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.