شعار قسم مدونات

المجتمعات التقليدية ومنطق الدولة الحديثة

blogs - السودان
إذا استخدمنا رأي دوكهايم حول المجتمع، وتأكيد أهميته في الحياة الإنسانية للتأكيد بأن المجتمع يتمتع بحالة من الوعي الجماعي وينتج ذلك بفضل التمثيلات الجماعية والمثل والقيم والمشاعر المشتركة بين أفراد المجتمع كافة. ويقول: الوعي الجماعي سابق على الفرد وهو مفروض عليه، ويؤكد دور الفردانية السلبية يقول: إن المجتمع في لحظات تشنجاته التركيبية يهدم نفسه بنفسه من خلال الأفراد.

إذاً عبر دوكهايم نجد أهمية المجتمع على الفرد،

وهذا ما يؤدي إلى استبعاد كل نزعة فردية ذاتية، ولكن كتاب تقسيم العمل كانت اللحظة الأولى للتحول في نهاية القرن العشرين، وهي لحظة نهاية مركزية المجتمع إلى مركزية الفرد، وقد ساعد ظهور الفرد في:
1- انتصار منطق الدولة الحديثة
وتأسيس أنظمة سياسية شمولية قومية.
2-
وتقدم النظرية الليبراليَّة بشقيها الاجتماعية والاقتصادية عبر تأكيدها أهمية الفرد.

لم نستطع هنا سرد كل الأطروحات النقدية لنظرية دوكهايم، إلا أننا سوف نذكر أهم الأطروحات التي قدمت في مرحلة ما بعد الحداثة للنظرية الاجتماعية الكلاسيكية، ما يهمنا هنا رأي الآن تورين، لقد قدم الآن تورين نقدا لمدرسة علم الاجتماع الكلاسيكية إذ يقول: إن هدف الحركة الاجتماعية الحديثة هو تحرير الذات التي تمثل مفهوم الفاعل الاجتماعي، أي المفهوم الذي يجعل للعلاقة الاجتماعية بعدًا أصيلاً في الفرد. وأن الحركة الاجتماعية تكون عن وعي الأفراد بذواتهم في غنى عن تشكل نِقابة سياسية من أجل الدفاع عن مطالبهم. إذا الحركة الاجتماعية الجديدة لا تتشكل بالعمل السياسي والصدام، ولكن بتأثيرها في الرأي العام. هي التي من خلالها يمكن أن ندافع عن هويتنا، واستقلالنا الذاتي، وحريتنا من الخضوع والخنوع للسيطرة.

ويجب الدفاع عن الحقوق كأفراد بمبدأ المقاومة وشرعية السلوك الذي يتمثل في الحركة الاجتماعية المستمرة، والتي من المستحيل السيطرة عليها. إذاً من مفهوم الآن تورين نريد أن ندخل 

إلى الحركات الاجتماعية التي توجد في السودان، وهي تجمعات اجتماعية في السودان، وأخذت هذه التجمعات صفات وأنشطة التجمعات الحديثة في الدولة الحديثة، ونقصد بذلك القبيلة والطائفة والعرق في السودان، وأهم التساؤلات هو كيف يمكن تحرر الفرد من هذه الروابط؟ وكيف يمكن إنشاء حركات اجتماعية حديثة لتحرر الذات التي تمثل مفهوم الفاعل الاجتماعي، أي المفهوم الذي يجعل للعلاقة الاجتماعية بعدا أصيلاً في الفرد.

تأسيس الديمقراطية الليبرالية عَملٌ سياسي بالغ العقلانية في حد ذاته، بحيث يتشاور المجتمع في طبيعة الدستور والقوانين المنظمة لحياته. ولكن كثيرةٌ هي الحالات التي لا تُحَققُ فيها السياسةُ والمَنطق الغايات المنشودة.

وهذا ما يجعلنا ننتقل إلى فوكوياما وإصراره على حتمية الليبراليَّة وإجبار الدول والشعب على تطبيقها وإن كان بالقوة كما حصل في بعض الدول، إذ قال: إن الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقِيَمها عن الحرية، الفردية، المساواة، السيادة الشعبية، ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، تُشَكِّلُ مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية. بِغَضِّ النَظَر عن كيفية تجلي هذه المبادئ في مجتمعاتٍ مختلفة.

والمقصود وجود إجماع عند معظم الناس بصلاحية وشرعية الديمقراطية الليبرالية، أي انتصارها على صعيد الأفكار والمبادئ، لعدم وجود بديل يستطيع تحقيق نتائج أفضل. هنا يظهر لنا سؤال وهو كيف نحقق هذه الفردانية أو الليبراليَّة في مجتمعنا السوداني؟ وهذا بالضبط يقودنا إلى النقطة الأولى التي أوردتها عن منطق الدولة الحديثة. لأن مع ظهور الدولة الحديثة وعبر آلياتها ومؤسساتها استطاعت أن تتجاوز معظم العلاقات الاجتماعية والسياسية التقليدية، وهذا مكن فيما بعد ظهور الليبراليَّة.

إذاً كيف فعلت ذلك؟ لقد فعلت ذلك الدولة الحديثة عبر ما يعرف بظاهرية الإرادة، إرادة الإنسان الفرد العقلاني الكاطني. فظهر مفهوم جديد للسلطة يتعارض مع كل مفهوم لا يجعل الإنسان مركزا للسلطة في الكون، وهذه النظرة للسيادة حملت أساسا عقائديا مناهضا للمتعقدات التقليدية السائدة، هنا إذاً كان أمام الدولة الحديثة خلع الدعائم الاجتماعية التقليدية من الفرد من أجل أن يعزل ويبقي ولاءه للدولة.

إذاً يجب أن يستهدف الفرد كمرتكز للحق السياسي بدلاً من الجتمعات التقليدية، وأي منظومة اجتماعية لا تدين بالولاء للدولة الحديثة يجب تفكيكها لتتاقلم مع منطق الدولة الحديثة وأولوياتها أي كيان مجتمعي تقليدي (عشيرة أو قبيلة أو طائفة) تطلب الولاء تعتبر خطرا، ولذا يجب تدريجياً تفكيكه عبر سلطة الدولة، لأنه لا يمكن أن تعيش الدولة في ظل التنافس على الولاء.

ومن هنا امتلكت الدولة الحديثة حق تقرير المقبول والمرفوض من الممارسات الدينية أو الاجتماعية عبر سياق قوانين وأنظمة موضوعية لها القدرة على توليد الامتثال والانصياع إلى مستوى معياري. إذا المواطن هو الذي يؤمن بالدولة الوطنية الحديثة، ويجب أن يخضع لها المواطنون ويقبلوا بإرادة الدولة كإرادتهم الخاصة.

معظم شعوب العالم باختلاف البلدان والثقافات، ستجيب أنها تفضل الديمقراطية على الاستبداد نظرياً، وحتى هنا في السودان بالرغم من التغيب الكامل بواسطة الجهل المؤسس عن مفهوم الديمقراطيَّةِ وممارساتها.

ومن أجل التحول إلى الديمقراطيَّةِ والتقدم يقدم فوكوياما حجه كالآتي: تأسيس الديمقراطية الليبرالية عَملٌ سياسي بالغ العقلانية في حد ذاته، بحيث يتشاور المجتمع في طبيعة الدستور والقوانين المنظمة لحياته. ولكن كثيرةٌ هي الحالات التي لا تُحَققُ فيها السياسةُ والمَنطق الغايات المنشودة ويَفقدُ البشر سيطرتهم على حياتهم السياسية. وفشل بعض التجارب في تاسيس دولة ديمقراطية يجرع ذلك الفشل إلى غياب الانسجام الكامل بين الدولة والمجتمع. والدولةَ مخلوقٌ سياسي مُتعَمد، أي يَعرف الذي يريد تحقيقه على صعيد الأهداف. والشعوب في المقابل، هي مجتمعات أخلاقية موجودةٌ مسبقاً. مجتمعات أخلاقية بمعنى امتلاكها لمعتقدات مشتركة عن جوهر الخير أو الشر، وطبيعة المقدس أو المدنس.

هذه الشمائل هي نتيجة قرار تأسيسي اتخذ في عصور سابقة لا تتذكرها الشعوب بدقة، واستمرارها حولها إلى تقاليد، وهذه التقاليد تُشَكِّلُ ما يُطلق عليه "ثقافة" وهي الأعراف ومفاهيم الحق والباطل التي تنعكس على الدستور والقوانين، العائلة، الدين، الهياكل الطبقية، العادات اليومية وأنماط الحياة المتوقعة.

فإذا من أجل التحديث؛ لا بد من وجود ثقافة مدنية، بمعنى أن أداء واستمرارِ المؤسسات الديمقراطية على مستوى النظام السياسي يَتصلُ بشكل وثيق مع الميول المجتمعية السائدة على المستوى القِيَمي للفرد.

معظم شعوب العالم باختلاف البلدان والثقافات، ستجيب أنها تفضل الديمقراطية على الاستبداد نظرياً، وحتى هنا في السودان بالرغم من التغيب الكامل بواسطة الجهل المؤسس عن مفهوم الديمقراطيَّةِ وممارساتها. لكن فعالية المؤسسات الديمقراطية لا تعتمد على هذا التفضيل وحده وإن كان مهماً بطبيعة الحال. يوجد أربعة عوامل ثقافية وهي قوة أو ضعف الهوية القومية، تسامح أو تعصب التقاليد الدينية، قدرة الشعب على إيجاد مجتمع مدني كمجال نشاط مستقل أو ما سماه دو توكفيل "فن الترابط"، ومستوى المساواتية أو التمييز في الهياكل الاجتماعية.

يجب خلط العلاقنية بالثقافة المحلية، والديمقراطيّة لا يمكن نسخها من مجتمع إلى مجتمع آخر، بل تخلق داخل إطار الوعي والثقافة المتحركة والمتجددة، هذا من أجل الخروج من احتضان التراث الثقافة الراكدة إلى تطور التراث وجعل الثقافة متحركة مع تساؤلات المواطن الفرد واستجابة لحاجاته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.