شعار قسم مدونات

الجَمال في القرن الحادي والعشرين

blogs-معايير الجمال
اختلفت وتطورت مفاهيم الجمال البشري عبر العصور والثقافات والحضارات، لتأخذ في القرن الحادي والعشرين معايير ومقاييس دقيقة ومثالية، لقد أصبح الجسد وفن تزيينه يحتل الصدارة الأولى في قائمة الاهتمامات من دون منازع. و يرتبط الجمال ارتباطا وثيقا بالذوق و الشعور الإيجابي و الصحة والشباب والإخصاب، لكن الأمر لم يقتصر على ذلك فقط ليأخذ أبعادا أخرى ويصبح السعي خلف الجمال الدائم والجسد المبهر الممشوق مرض القرن الحادي والعشرين، خاصة مع تطور الميديا والإعلام و تقنيات التصوير العالية وظاهرة السيلفي وانتشار الشبكات الاجتماعية.


لقد أصبح الهوس بالجمال إلهً بحد ذاته، تقدم إليه القربات والصلوات من عطور ومستحضرات تجميل، و تزايد الطلب على عمليات التجميل و البوتوكس ونفخ وشد وتغييرات لا تنتهي أبدا. لشفاه ناعمة وجميلة، – الآن الجمال ملك يديك! – أحصل على ابتسامة ساحرة تخطف بها قلوب الفتيات، – وزن مثالي خلال أسبوعين وجسد جذاب، عيون تلفت الأنظار بسحرها!

"نحن نضع النساء تحت رحمتنا، نفتنهن فيصبن بالجنون أمام أكوام بضائعنا، فيفرغن جزادين نقودهن من دون حساب. فيصبح الفرد أسير صورته، وشكله الخارجي هو مركز اهتمامه الأول!

لا تكف شركات الماركات العالمية و أسواق الأزياء و المجلات والإعلانات التي تتهاطل علينا بالآلاف من احتلال عقلنا الباطن ورسم صور نمطية و ضيقة للجمال، فتجرد بذلك الإنسان من كيانه وفكره وقيمه، وتسجنه في جسده و انعكاسه على المرآة، وتدفع به الى استهلاك المزيد من منتجات التجميل والملابس و اللهث وراء آخر صيحات الموضة؛ ليكون الهدف الأول والأخير من ذلك لا خدمة الإنسان! بل تحقيق أعلى أرقام المبيعات، وجني المزيد من الأرباح.

كما يقول "إيميل زولا" في روايته "Au bonheur de dames"، "نحن نضع النساء تحت رحمتنا، نفتنهن فيصبن بالجنون أمام أكوام بضائعنا، فيفرغن جزادين نقودهن من دون حساب. فيصبح الفرد أسير صورته، وشكله الخارجي هو مركز اهتمامه الأول، و جسده هو بطاقة التعريف الأولى والأخيرة عنه وجواز قبوله لدى الآخرين. 

لقد ولى الإسلام عناية خاصة بالجسد، وحرص على صحته و نظافته، واعتبرها شطر الإيمان، واهتم بالجمال الخارجيَ، (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الاية 31 سورة الأعراف، لكن دون مبالغة أو تفريط، بل هناك تفضيل صريح لحسن الباطن على الخارج، (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم.

الإنسان بأبعاده الثلاثة: العقل والروح والجسد، أكبر من مجرد معايير مادية استهلاكية بحتة، و قيمته لا تنحصر في نصاعة بياض أسنانه وشعر ه الحريري، أو عيونه الساحر ة وغيرها من الصفات الشكلية التي مصيرها الذبول والزوال شئنا أم أبينا. فقبول الذات وتقديرها والاهتمام العقلاني بالجسد ليكون وسيلة وليست غاية، من أجل إعمار الأرض وتحقيق انجازات في الحياة هو الهدف الأسمى والنجاح الحقيقي. وأختم بقول سيدنا الإمام "علي أبو طالب": "لَيْسَ الجَمَال بأَثْوابٍ تُزَيِّنُنَا إن الجمال جمال العلم والأدب"