أقرب عاصمة للكعبة المشرفة

مدونات - إريتريا

بيت الله الحرام، أقدس بقعة في هذا الكون، التي حرم الله فيها الأذى بين جميع مخلوقاته، إنسانا وطيرا ونباتا وحيوان؛ مؤسف جداً أن تكون أقرب عاصمة لها يتلظى أهلها بشتى أنواع الأذى، وتُشوّه ملامح أرضهم، وتُهدم حضارتهم ظلماً وتضليلا، وهي تلك الأرض المباركة التي كانت وما تزال أول موطئ للصحابة في أرض الحبشة، حين هاجروا إليها طمعاً في الأمن والطمأنينة والعدل، فكانت ملاذاً ءامناً لهم، حتى أنهم أسسوا فيها مسجداً فور نزولهم بميناء (مصوّع) ، تلك المدينة البيضاء التي أصبحت مهجورة الآن، بفعل الطغيان، وكم هو محزنٌ جداً أن يصبح أول مصلّى ومنبر وباحة صلاةٍ في التاريخ الإسلامي، مجرد بناءٍ قديم لم يسمع به إلا القليل من المسلمين.

مسجد "راس مدر" والتي تعني رأس الأرض باللغة المحلية هناك، هو أول مصلّى في الإسلام، يتجه محرابه نحو المسجد الأقصى، قبلة المسلمين الأولى، وبالرغم من هذه المكانة التاريخية العظيمة لهذا المسجد إلا أنه لم يجد قدرا من الاهتمام اللازم من الجهات المختصة، فالمدينة الساحلية (مصوّع) التي يقع فيها هذا المسجد، هجرها أهلها الأوائل الذين يعرفون قيمة المسجد الروحية والتاريخية، هرباً من الظلم والجبروت الذي استفحل في كافة أرجاء البلد.

في السابق كان المسلمون في إرتريا حوالي ثمانون بالمائة من عدد السكان، لكن بعد تفريغ البلد من سكانه، وزيادة الضغط على المسلمين، أصبح إعلام الطاغية يروّج مؤخراً أن المسلمون والمسيحيين نسبتهم متساوية.

إريتريا تلك الأرض السلام التي استقبلت على مدى قرون عدّة أفواج من الهجرات العربية والأفريقية قبل وبعد الإسلام، فتعاشروا وتعايشوا على اختلاف ألسنتهم وسحناتهم ومعتقداتهم، كانوايحتكمون لأعراف والتقاليد السمحة، وكانوا يسيّرون تجارتهم مع اليمن، وكل دول الجوار في ازدهار وأمان، إلى أن وطأتها أقدام المستعمرين، لتتلاشى كل مقومات الأمن الاجتماعي، وتتعطل آليات التقدم والنهضة، وتُستبدل بآليات القمع والجور والتعسف والعدوان التي ما تزال تحطم الأجيال، وتستعبد الإنسان، وتُقيّد الأحرار.

إريتريا تلك الياقوتة الزرقاء الساحلية، تجاور اليمن والسودان وجيبوتي وإثيوبيا، يوجد بها تسع قوميات، من بينهم ستة يتبعون الدين الإسلامي كلياً، والثلاثة الآخرون أيضا غالبيتهم مسلمون، ولا توجد أكثرية مسيحية إلا في قومية واحدة منهم!

في السابق كان المسلمون في إريتريا حوالي ثمانون بالمائة من عدد السكان، لكن بعد تفريغ البلد من سكانه، وزيادة الضغط على المسلمين، وتقييد حرياتهم الدينية والشعائرية، أصبح إعلام الطاغية يروّج مؤخراً أن المسلمون والمسيحيين نسبتهم متساوية، مع العلم أنه لم يجري إحصاء لعدد السكان في البلاد منذ 26 سنة.

هذه النسبة الكبيرة من المسلمين في إريتريا، تم تهجيرها قسراً بأعداد هائلة جداً، بعد أن فقدوا حريتهم الدينية والسياسية، ومُحيت ثقافتهم وتراثهم الفكري والاجتماعي، وأُغلقت معاهدهم الإسلامية، ومدارسهم العربية؛ عقب اعتقال أساتذتها ومعلميها ودعاتها، ومنعت السلطات المسلمين من بناء المساجد وإقامة الخلاوي القرآنية، وفي المقابل كفلت الحرية للنصارى ببناء الكنائس حتى في المدن والقرى ذات الأغلبية المسلمة، وبرغم كل هذه الجرائم الشنيعة التي بعثرت الشعب الإريتري في شتات الهجرة المريرة، وحولت ديار الأمن والسلام إلى بؤرة من الفساد والاستبداد، ما يزال المسلمون صابرين محتسبين، يرجون من رحمة ربهم، ويسعون للنصر المبين، والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.