أخشى عليكم من الاختلاف

مدونات - مناقشة

عندما تطرح قضية أو مشكلة على طاولة الحوار، فمن الطبيعي أن تختلف وجهات النظر؛ حيث أن الله خلقنا مختلفين عن بعضنا البعض. هو خلق لكلٍ منا لغته وطباعه وعاداته. وإذا كنا نريد أن نتحدث كأننا نعيش في واقعٍ مثالي، فالاختلاف يُعتبر أمر إيجابي؛ حيث يرى الكثيرون في الاختلاف فائدة. اختلاف الآراء يساهم في تنوير الأفراد بمعلوماتٍ كانوا يجهلونها، ويساهم في زيادة الوعي، كما أنه قد يساعد في أعلى درجاته على تصويب وجهات النظر الخاطئة.

إلا أننا للأسف لا نعيش في واقعٍ مثالي، واختلاف الآراء قد لا يكون عاملاً مساعداً في تنوير الرأي العام. فهل جربت مثلاً أن تختلف مع أحد الأشخاص في موضوعٍ سياسي؟ أو حاولت إيضاح أن هذا القرار الذي اتخذه فلان خاطئ؟ إن كنت عشت هذه التجربة، فسوف تفهم هذا الموقف، وإن كنت من الذين يخشون من الاختلاف في وجهات النظر أو لا يحبذون الدخول في هذه النقاشات، هنا ستتعرف على ما نعيشه يومياً نحن المختلفون.
 

ما رأيك أن نحافظ على كلمة اختلاف كمصطلح إيجابي كما ترد في المعجم؟ إذًا، للوصول إلى الرقي في الحوار، علينا جميعاً ألا نخلط بين الاختلاف والخلاف؛ فالثانية بعكس الأولى تماماً تحمل معنى سلبي.

لنفرض أنك جالسٌ بين مجموعة أشخاص، في الجامعة، مع العائلة، أو أية فئةٍ في المجتمع، وتم فتح موضوع للنقاش، لنقل موضوع سياسي، كون الحديث في الشؤون السياسية يطغى في وقتنا هذا. ولنفرض أنك شخص معادي للأحزاب ولديك رؤية خاصة أن كل أحزاب بلدك لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة. بدأ النقاش، فلان قال هذا رجلٌ فاسد وذاك قال هذا الزعيم يكذب، واحتدم الحوار وتعالت الأصوات حتى استجمعت قوتك ونطقت: "كل هذه الأحزاب كاذبة تُفصّل القوانين والمواقف حسب مقاسها".


في تلك اللحظة التي تتفوه فيها بموقفك سيعم السكوت وتبدأ نظرات العدائية تظهر على وجوه من حولك، وأول سؤال سيطرح عليك: "لأي جهةٍ تتبع أنت؟!" أو "كيف يمكنك قول هذا وذاك الحزب يمثل طائفتك؟!" هنا تأتي اللحظة الصعبة المترافقة مع تلك النظرات؛ إما تنسحب وإما تدافع. وفي كلتا الحالتين، أنت ستصنف "مختلف". هذا يعني أنك قد تخسر بعض الأصدقاء، قد تتعرض للاستهزاء، وفي حالاتٍ أخرى قد تتعرض للنبذ. نعم للنبذ، أي لن يدخل أحدٌ بعد اليوم في نقاشٍ معك، باعتبارك مخالف لآراء الآخرين ولن ينجحوا في ضمك الى صفوفهم.


وإذا طبقنا الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبار أن جلسات النقاش باتت نادرة للأسف، فإنك لن تسلم من معادي الاختلاف أيضا. فمثلاً إذا أردت التعبير عن وجهة نظرك في تغريدة ضد جهة معينة، ستنهال عليك الشتائم وستُسأل نفس الأسئلة. وإن انتقدت في اليوم التالي الجهة المعاكسة، فتزيد الطين بلة وستتعرض للسخرية باعتبارك شخص "كل يوم برأي". هؤلاء الأشخاص لا يفقهون أنك شخص ترى الأمور من منظارٍ خاص، أنت بكل بساطة لا تتبع أنت، هدفك تسليط الضوء على كل من أخطأ.

 

هذا الموضوع ينطبق ليس فقط على الآراء السياسية، بل هذه حالة تطبق على مختلف الأصعدة. وفي طبيعة الحال، أنا لا أشمل الجميع، حيث أن هناك الكثير من الأشخاص المنفتحين للنقاش. وأنا لا أعني بالضرورة النقاش الذي يصل إلى تغيير وجهة النظر، بل إلى النقاش الحضاري، البعيد كل البعد عن السخرية والنبذ.

وإن تساءلت كيف يمكن الوصول إلى هذا النقاش الحضاري، فأنت بذلك تكون قد قطعت نصف المسافة؛ باعتبار أن الخطوة الأولى تبدأ من ذات كل إنسان. إن أردت التغيير؛ انطلق من نفسك أولاً. ما رأيك أن تبدأ من الشخص الواقف أمامك في المرآة؟ هذا الحقد المشتعل في قلبك، ما رأيك أن تطفئه؟ ما رأيك أن نحافظ على كلمة اختلاف كمصطلح إيجابي كما ترد في المعجم؟ إذًا، للوصول إلى الرقي في الحوار، علينا جميعاً ألا نخلط بين الاختلاف والخلاف؛ فالثانية بعكس الأولى تماماً تحمل معنى سلبي.

وأخيراً، ليس الهدف من هذا المقال تخويف الناس من الاختلاف، بل العكس، الهدف هو الوصول إلى مستوى واعٍ للنقاش وتقبل الآخرين. فنحن، في النهاية، كلنا كما خلقنا الله، مختلفين.