معركة الكامور في سطور

blogs - تطاوين . الكامور . تونس
ليس غريبا أن يثور أبناء الكامور بل الغريب أن لا يثوروا، عجب العجاب أن يركنوا للسكون والبطالة والفقر والتهميش، وهم أبناء منطقة غنية تسبح على بئر من النفط أو الذهب الأسود.إن أقسى ضروب الفقر ذلك الذي يصيب المرء وهو على مرمى حجر من الثروة، يراودها بعينيه دون أن تلامسها أصابعه، كسراب بقيعة، وذاك حال أبناء الكامور..
 
والكامور لمن لا يعرفها هي منطقة صغيرة في الصحراء التونسية تتبع لمحافظة تطاوين الواقعة جنوب البلاد، وللصحراء لعنات عندنا نحن العرب، فلطالما استغلت صحارينا، فنحن لا نتقن التغلب على الجغرافيا ونعجز أمام أحكامها وتعيقنا تقلباتها، فنقدم صحارينا للغرب ليستثمرها في دفن نفاياته النووية تارة وفي استخراج ثرواتها الطبيعية تارة أخرى، والضحية في الحالتين أولئك المواطنين "الصحراويين"، فإن كانت أعماق الصحراء خاوية عانوا من سموم النفايات القاتلة وإن كانت أعماقها مسجورة بالخيرات فإنهم يموتون كلّ يوم حسرة على ثروة تمر أمام عيونهم دون أن يدركوا منها فتاتا…

صبر أبناء الكامور طويلا ولعل الصحراء علمتهم التجلد فابتدعوا فيه وابتكروا، ولكن الصبر إذا ما طال تحول إلى ذل وقناعة بذميم العيش وذاك ما تأباه نفوسهم، نفدت كل المهل التي قدموها لدولة لم تنصفهم على مدى عقود ولم تقابلهم إلا بالوعود وكثيرا كثيرا بالوعيد، فمن منا ينسى ما صرح به رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي حين وصف أهالي الجنوب بالإرهابيين لا لشيء إلا لأنهم صوتوا لغيره في انتخابات سنة 2014.

معركة الكامور ليست سهلة، إنها أكبر من معركة الثورة على نظام بن علي، فالخصم ليس واحدا، بل هم خصوم من كل حدب وصوب؛ السلطة السياسية القائمة، والشركات النفطية العملاقة، ودول تلك الشركات

انتفض أبناء الكامور، تحركهم في ذلك غيرتهم على ثروات أرضهم التي يسلبها الغرب بتواطؤ مع المسؤولين الفاسدين، فطالبوا بنصيبهم من الثروة وبتشريكهم في استخراجها عبر توفير مواطن شغل لهم في شركات استخراج نفطنا، فأبت السلطة السياسية ذلك واكتفت بحلول لا تشفي غليل منطقة تعاني التهميش منذ الاستقلال، ورغم ذلك حافظ أبناء الكامور على هدوئهم وواصلوا سلميتهم واعتصموا في خيامهم إلى حين تحقيق مطالبهم.

ولكن يبدو أن تلك المطالب أكبر من السلطة السياسية وأكبر من الدولة أيضا وأن مسألة الثروات النفطية مسألة حساسة في بلادنا وخطّ أحمر لا ينبغي تجاوزه، فما تدره أرضنا ليس لنا حتى وإن أكد دستورنا في فصله 13 على غير ذلك إذ ورد فيه أن "الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، تمارس الدولة السيادة عليها باسمه…".

إن الاتفاقيات التي أبرمها نظام بورقيبة ومن بعده نظام بن علي في مجال الطاقة والنفط تعلو على أي نص قانوني وإن كان الدستور نفسه الذي يعتبر القانون الأسمى في الدولة، فالمسألة مرتبطة بمصالح دول لا طاقة لنا بها تفوقنا نفوذا وقوة، ولسنا وحدنا من تسلب ثرواتنا بل ذاك حال كل الدول الفقيرة والمستعمرات القديمة.

معركة الكامور ستتواصل، والنصر فيها يعني خلاصا وطنيا سيكون له تأثير عظيم على الاقتصاد الوطني وعلى التنمية في بلادنا.. هي المعركة الأخيرة، والنصر فيها بمثقال نصر الثورة أو يزيد..

معركة الكامور إذن ليست بالمعركة السهلة بل إنها أكبر من معركة الثورة على نظام بن علي، فالخصم ليس واحدا، بل هم خصوم من كل حدب وصوب؛ السلطة السياسية القائمة، الشركات النفطية العملاقة، دول تلك الشركات ناهيك عن بعض الأحزاب السياسية التي لا همّ لها سوى المحافظة على مصالح عدد من الدول الأجنبية.

ما يجعل المعركة معركة سيادة، ومثل هذه المعارك تشبه كثيرا معارك التحرير الوطني من حيث نبل الأهداف والغايات، ولذلك فهي تكون عادة طويلة الأمد وتحتاج لقيادات تولد داخل الحراك نفسه ولا تأتي مسقطة من خارجه.. فعلى شباب الكامور -إن أرادوا حقا الانتصار لمطالبهم- أن يواصلوا رسم لوحتهم الثورية بمعزل عن كل الدخلاء وخاصة بعض الأحزاب السياسية المنسية التي ما انفكت تستغل مثل هذه الأحداث لتعود إلى الساحة السياسية مجددا ولتملأ جرابها ببعض الأصوات الانتخابية التي تحتاجها مستقبلا..

معركة الكامور ستتواصل، والنصر فيها يعني خلاصا وطنيا سيكون له تأثير عظيم على الاقتصاد الوطني وعلى التنمية في بلادنا.. هي المعركة الأخيرة، والنصر فيها بمثقال نصر الثورة أو يزيد..