شعار قسم مدونات

نظرية ماسلو وواقع الشعوب (2)

blogs - ماسلو

تعقيباً على ما جاء من مقال نظرية ماسلو وواقع الشعوب الجزء الأول، أريد منك أخي وأختي الكريمة أن تُعيروني سَمْعكم وبَصركم لدقائق معدودة، فأقول.. إن عدد الشعوب الذين تم ذكرهم في الجزء الأول من عنوان هذا المقال ممن يقعون تحت خط الفقر والبطالة تقدر بالملايين، وبالتالي.. هذه الملايين تكون في الطبقة التي يطالبون فيها الحد الأدنى من الاحتياجات الفسيولوجية حتى يحافظوا على حياتهم أو على الأقل حتى يحفظوا حقهم بارتباط نَسْلِهِم إلى نسل بني آدم وليس إلى نسل (بني حيوان) – وهذا مصطلح يكون دائماً في عين مريضي النفوس ومحبي السلطة والشهرة وفكرتهم الدائمة عن شعوبهم! – فيكون لهم أدنى قيمة قد يطلبها الإنسان في حياة قد لا تدوم إلا دقائق أو ساعات.
 

ولكن السؤال هنا… ألم يتأثر هذا الإنسان ووطنه ثم الأمة العربية والإسلامية من أن يَنصَب تفكيره فقط على أكله وشربه ولا يستطيع أن يفكر بأكثر من ذلك؟! ألم تتوقف إمكانياته في التطور بالعلم والمعرفة حتى حُرِم من حقه في استخدام حُرِّ عقله، فحرم نفسه ووطنه وأُمَّته في أن تكون في مراحل متقدمة من النمو والازدهار والتطور كغيرها من الدول الأوروبية والغربية؟ إن تدني مستوى فكر الملايين العربية والمسلمة تعطي فرصة للشعوب الأوروبية والغربية في المُضِي بالتطور، في الوقت التي تتراجع فيها الدول العربية والإسلامية في تطورها والبقاء تحت ظل الأمية والتبعية العمياء التي تُحُتِّم على هذا الإنسان أن يبقى طوال حياته في التفكير في توفير لقمة عيشه.
 

نسأل أنفسنا كثيرا فنقول: لماذا دائما الدول الأوروبية والغربية متفوقة علينا؟ لماذا لا نكون مثلهم؟ ما الذي ينقصنا؟ ما المختلف بيننا وبينهم حتى يكونوا ولا نكون؟!

وإن قلنا أن هذه الشعوب وصلت إلى ما وصلت إليه بسبب الحروب والمجاعات، ولكن.. ألا يوجد أيضا من الشعوب لا تكاد تحظى بنصيبها من الاحتياجات الفسيولوجية وكأنها أصبحت سياسة تتبناها بعض الدول على شعوبها حتى لا ترفع رأسها وتَعلو بصوتها للمطالبة في أكثر من ذلك، ويكون الفارق بينهم وبين الحيوان اختلاف الشكل والمظهر فقط؟! ألم يصبح هذا الإنسان المسكين ضحية الجشع والأنانية والجبروت والظلم في ظل تَصارُع وتَسارُع وحوش تَطَأ بأقدامها من يقف في طريقها لأجل أخذ النصيب الأكبر من كرسي الرئاسة المُطِل والمُتَصَدِّر على مائدة من الطعام مُزَخْرَفَة بأشهى المأكولات وأطيَبها، من لحم طفل قد فُجِّر رأسه، وحليب أمٍ قد أُهريقَ دمها على وجنات طفلها، وعلى أكتاف شباب قد شاخوا سُجوناً، وعلى أفخاذ عجائز تربَّت عليها أجيال، وعلى سيقان شجر قد أحرقت وقُلِعَت، لتكون تحت أنيابٍ تَقْطَع، وأضراس تَطْحَن، وفِكر يسودُه الظُّلْمَة، ووجه تعلوه ابتسامة نكراء صفراء متعالية متكبِّرة سعيدة بوجبتها التي تتناولها من غير ناصحٍ مُعاتِبْ ولا مُكْتَرِثٍ مُبالٍ؟!
 

إن تطبيق هذه النظرية غالبا ما تتم في الدراسات والأبحاث في دور الجامعات والتخصصات الإدارية، لكن تطبيقها على المجتمعات والشعوب والبلدان من باب أولى. فمثلا.. إذا كانت هناك الحروب وما يتبعها من فقدان الأمن والاستقرار، يكون الإنسان جُلَّ هَمِّهِ وتَفكيرِه هو كيف يستطيع أن يُؤَمِّن قُوتَ يومه وعائلته ويحافظ على حياتهم. ولا يفكر حتى بتكوين أيَّة علاقات اجتماعية، فتتوقف العلاقات وتُزَعْزَع الثقة والغربة بين الناس، وينتشر الجهل ويُشَل التفكير ويتوقف التطور والإبداع، فتنتشر الجريمة ويتفشَّى سرطان الفساد الإداري والأخلاقي. وفي نهاية المطاف.. نسأل أنفسنا كثيرا فنقول: لماذا دائما الدول الأوروبية والغربية متفوقة علينا؟ لماذا لا نكون مثلهم؟ ما الذي ينقصنا؟ ما المختلف بيننا وبينهم حتى يكونوا ولا نكون؟!
 

في المَطلب الأول الذي يحتاجه الإنسان وهي الحاجات الفسيولوجية من توفر الحد الأدنى من الدخل الشهري ليستطيع هذا الإنسان المسكين في هذا الزمن الصعب! بأن يعيل نفسه وأهل بيته، وذلك حتى يفكر بعدها بالاستقرار وطلب حاجاته الأمنية الأخرى مثل الأمن الوظيفي والصحي والمعيشي، وحتى يصل بالنهاية إلى التفكير الإبداعي لتطوير وتنمية بلده والعمل على حل مشاكلها ومعالجة نقاط ضعفها وتنمية نقاط قوتها. وليس له سوى ذلك، وبالأخص.. وعلى افتراض! بعد أن وفرت له دولته خيراتها ومالها وخدماتها له ولعائلته، وتوفير الحد الأدنى من الأجر الشهري له، وليس استنزاف ما لا يملكه! وهي أيضا تتوقع منه في المقابل جزاء احتوائه واحتضانه ورفع كرامته وقيمته كإنسان قبل أن يكون مواطن في الخارج والداخل! أن يكون مثالاً يُحتذى به في خدمة الوطن ورفع راية المجْد والإخلاص في العلم والعمل!

سؤالي الأخير: من أنت أخي وأختي الكريمة؟ فلسطيني، لبناني، مصري، ليبي، أردني، جزائري، تونسي، سعودي، كويتي، بحريني، الكل الآن يسمع مناداتي له على حسب جنسيته، وذلك حتى تعلم بأنه قد حان دورك الآن في تطبيق نظرية ماسلو وذلك في التفكير والتحليل والسؤال عن.. ما هي نوعية الاحتياجات التي تَطلُبَها أنت الآن؟ في حياتك العملية كانت أو الاجتماعية أو غيرها؟ في أية تقييم قد تضع فيه نفسك، عائلتك، مجتمعك، شعبك ووطنك؟ فأنا متأكد أنك سوف تجد الإجابة ولن تتردد في التقييم وقول الحقيقة، على الأقل بينك وبين نفسك. فكر قبل أن تجاوب.. ولك بعد ذلك أن تقبل الواقع! وتسعى بعدها لما هو خير لك ولأُمَّتك.
 

علينا جميعا.. أن لا نرضخ لظروف قد فرضتها علينا أيادٍ لا تبالي بأن تقتل أعز الناس والمقربين لها، وتقتل الآلاف، وتشرد الملايين، وتقلع الشجر والحجر، وتهدم البيوت والصوامع، حتى تُشبع حاجاتها من السلطة والمال والجاه وحب النفس..

لقد كان لمقالتي هذه عدة أهداف:
أولها، التعرف على نظرية ماسلو للاحتياجات ومحاولة تطبيقها على الشركات، على أن يقوموا باستيعاب موظفيهم من حيث توفير الفرص اللازمة لهم للارتقاء في احتياجاتهم ومُتَطَلَّباتهم لكي يُطْلقوا العنان بحرية الفكر والإبداع بدون مخاوف ولا قيود. والشيء الآخر.. وهو القَصْد في ضرب الأمثال على الواقع المُر الذي تعيشه كثير من الشعوب العربية والإسلامية في هذا العصر، حتى نتذكر المأساة الحقيقية التي يعيشها إخواننا في كل دقيقة في حياتهم، والعمل على التخفيف من معاناتهم بأي وسيلة كانت، ثالثا.. توعية أنفسنا للارتقاء في علمنا وعملنا وفكرنا وتحديد أهدافنا للمستقبل حتى لا نكون ضحية لظروف في يوم ما، قد تُلْزِمُنا على أن نسعى وراء أدنى الاحتياجات الفسيولوجية.
 

علينا جميعا.. أن لا نرضخ لظروف قد فرضتها علينا أيادٍ لا تبالي بأن تقتل أعز الناس والمقربين لها، وتقتل الآلاف، وتشرد الملايين، وتقلع الشجر والحجر، وتهدم البيوت والصوامع، حتى تُشبع حاجاتها من السلطة والمال والجاه وحب النفس والغرور والأنانية والطمع ووو.. والكثير من الأوصاف التي مهما وصفناهم بها لن نستوفيهم حقهم منها ولو حتى بمثقال ذَرَّة. فلنكسر قُضْبان الظلم، ولنفتح باب النور والرحمة، ونلجأ إلى الأحد الصمد، الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ونَدَع حُكْمِه وعَدْلِه يَنْفَذ مهما طال الزمان وبلغ المكان، فنرفع رأسنا ونقول.. يا الله.. يا الله.. ليس لنا غيرك يا الله.. ولِنبدأ في تَبَنِّي العِلْم والمعرفة منهجاً، فنُلين الحجر، ونفكك الصِّعاب، ونَسْتَسْهِل الوَعَرْ، فهناك الكثير الكثير من الأمثال الحية من عاشوا الحياة الصعبة المُرَّة ولكنهم أصبحوا بعد ذلك رموزاً وأعلاماً.

ولكم في سيرة رسول الله أُسْوَة، وفي صحابته قُدْوَة، وفي أتباعه من الأمة عبرة وعظة، فإذا تصفحت السِّيِر من التاريخ الماضي، وأَنْفذْتها على جهابذة المستقبل الحاضر، لتجد المُثُل العليا، والشجاعة والإرادة الكبرى، لتجعل من كان نسياً منْسِيا، بتوفيق الله وكرمة يكون شامِخاً عَلِياَّ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.