شعار قسم مدونات

شهر رمضان والبرمجة اللغوية العصبية

blogs الكون

لا تتعجب من هذا العنوان، فلست من هذا النوع الذي يجذب القراء بعناوين فارغة لا تمت للمحتوي بصلة. فقط تعمق معنا في تلك السطور وستعرف أن النبي -صلي الله عليه وسلم- كان يوجهنا لتلك البرمجة خاصة في شهر رمضان، وإن اختلفت المصطلحات فالمعاني والمقاصد باقية ولم تتغير.

ما هي البرمجة اللغوية العصبية؟
باختصار شديد هي ملتقي العديد من طرق إدراك الاتصال بالذات وبالآخرين والتغيير الجذري .وقد اتخذت البرمجة البيئة الملائمة لمساعدة الناس علي تحسين الاتصال بأنفسهم والتخلص من مخاوفهم المرضية والتحكم في الانفعالات والمشاعر السلبية .لقد نشأنا منذ الصغر في بيئة معينة لها عادات وتقاليد ومعتقدات خاصة، ونحن قد تشربنا تلك المعتقدات في عقولنا وأصبحت أسلوب حياة خاص بنا، ولكن المشكلة تكمن في أنه ليس كل ما تعلمناه يعد صحيحا، وليس كل المعتقدات هي بالفعل تنتمي للحق والصواب، وليست كل العادات صحية ومناسبة .هنا يأتي دور البرمجة اللغوية العصبية، حيث تساعدك علي التعمق في عقلك الباطن الذي تكونت فيه تلك البرامج، ومن ثم فهي تمكنك من إحداث تغيير في تلك البرامج وتوظيفها لصالحك.

إذا أصبح لديك برنامج معين، وتم توثيقه واعتماده من قبل العقل الباطن، فكل ما عليك فعله لكي تحافظ عليه هو الممارسة والتطبيق، وعدم الإهمال، وألا تسمح لأي هاكر باختراق هذا البرنامج.

كيف تتم برمجة العقل الباطن؟
أي صورة ذهنية أو تصور معين تجاه تجربة أو عادة يومية تتطلب ثلاث خطوات لكي يتم حفظها في العقل اللاوعي وتوثيقها كبرنامج معتمد وكاعتقاد راسخ:
1- التكرار: الأب يكرر على ابنه يوميا "أنت غبي، أنت لا تفهم أبدا..) لا تتوقع حينها أن يجتاز هذا الطفل أيسر الاختبارات، فلطالما تكررت هذه العبارة وأحدث رنينا في أذنه، عندئذ سيتعامل عقله اللاواعي مع هذه الرسالة علي أنها حقيقة لا تقبل النقاش، إلا إذا قاوم هذا الطفل تلك الفكرة ولم يسمح لها بأن تتعدي حدود السماع.

2-الكثافة الحسية: وهي تتلخص في قوة الاعتقاد والاقتناع الداخلي، فمثلا إذا اعتقدت في نفسي وأيقنت تماما أنني شخص مبدع، حينها ستأتيني الأفكار من حيث لا أدري، سيبذل العقل اللاواعي أقصي ما بوسعه لكي يتماشي مع هذا الاعتقاد.
 

3- الممارسة والتطبيق:  فإذا أصبح لديك برنامج معين، وتم توثيقه واعتماده من قبل العقل الباطن، فكل ما عليك فعله لكي تحافظ عليه هو الممارسة والتطبيق، وعدم الإهمال، وألا تسمح لأي هاكر باختراق هذا البرنامج.
 

النبي -صلي الله عليه وسلم- يعلمنا البرمجة اللغوية العصبية
تأمل معي هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم بسند صحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "قال إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم". أحيطك علما بأنه إذا حدث أي خلل في إحدى الأنظمة الخاصة بك، فستكون حينها في حالة عدم ثبات انفعالي وربما تثور ثورتك علي أتفه الأسباب. وهذا يحدث غالبا حين نكون في حالة توتر وقلق، أو في حالة جوع أو عطش أو غير ذلك .فقد اعتاد جسدك علي أن يصل إليه يوميا ما يكفيه من الطعام والشراب، ولكنه في رمضان يحرم من هذه العادة لمدة تدوم لحوالي أربعة عشر ساعات، الأمر الذي قد يجعلك تغضب لأقل سبب .فلك أن تتخيل شعورك عندما يحاول أحدهم استفزازك وإثارة غضبك، الأمر الذي قد يكون أشبه بإضافة البنزين للنار الموقدة.
 

ومن المعلوم كما أخبر علماء النفس أن العادة (البرنامج) تحتاج لحوالي ثلاثة أسابيع كي يتم توثيقها وتثبيتها في العقل الباطن، حينها ستفعلها تلقائيا وبدون مجهود، وسيصبح هذا هو الطبيعي بالنسبة لك.

ولكن النبي -صلي الله عليه وسلم- أرشدنا إلي الحل الأمثل لكي نتمالك أنفسنا ونتحكم في الانفعالات ونحن في أقصي حالات الانفعال (التأثر بفقدان الطعام)، والذي أطلق عليه العلماء حديثا مصطلح البرمجة اللغوية العصبية .حينما تكرر علي نفسك "إني صائم.. إني صائم) فأنت تذكر نفسك دوما بأنك حقا صائم ولا ينبغي أن تنفعل أو تغضب حتي لا تخرج منك كلمات تندم عليها لاحقا، وأنت بذلك ترسل رسائل لعقلك اللاواعي بأنه لا بد أن أتحكم في انفعالاتي مهما حاول هذا الشخص أن يغضبني.
 

ومن المعلوم كما أخبر علماء النفس أن العادة (البرنامج) تحتاج لحوالي ثلاثة أسابيع كي يتم توثيقها وتثبيتها في العقل الباطن، حينها ستفعلها تلقائيا وبدون مجهود، وسيصبح هذا هو الطبيعي بالنسبة لك. فإذا واظبت علي هذه العادة "التحكم في انفعالاتك" طوال شهر رمضان، أي أكثر من ثلاثة أسابيع، فهنيئا لك بهذا البرنامج الذي خرجت به من هذا الشهر المبارك، ولكن لا تنسي أن تظل متمسكا به، ولا تسمح له بالانهيار بعد ذلك تحت أي ظرف من الظروف.
 

جدير بالإشارة إلى أن هذه اللفتة الطيبة أشار إليها الدكتور النفسي المشهور "أحمد عمارة" في أحد البرامج التليفزيونية. وماذا بعد؟ لك أن تستغل هذه البرمجة ليس فقط في الحصول على صلاحية التحكم في الانفعالات، ولكن في قمع الشهوات وتمالك زمام الأمور النفسية، والمحافظة علي العبادات والقربات وأن تعمل علي استثمارها حتي بعد انتهاء الشهر الكريم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.