بين النظرية والتطبيق

blogs - Azhar
يعاني كثير من الشباب المؤدلج داخل التيارات السياسية بمختلف توجهاتها سواء كانت يسارية أو ليبرالية أو حتى إسلامية من تلك الفجوة التي اصطدموا بها ما بين مثالية الفكرة وضعف التطبيق داخل فصيله الذي ينتمي إليه، وهذا الأمر ليس بجديد، فعندما نتصفح تاريخ الأمم التي سبقتنا تجد بين طياته ما يؤكد لنا أنه لم تخلو أي تجمعات بشرية تحمل أفكاراً تطمح إلى تطبيقها من تلك الفجوة بين ما يسجله المنظرون لتلك الفكرة وما تم إنتاجه على الأرض، ولكن هذه المرة الفجوة بينها أكبر بكثير، أما عن الأسباب التي أدت إلى اتساع تلك الفجوة بهذا الشكل بين التنظير والتطبيق وفي بعض الأحيان إلى إعدام التطابق فنستطيع أن نحصرها في عدة نقاط فيما يلي:
أولاً: المثالية المبالغ فيها:
أو نستطيع أن نقول عدم واقعية الفكرة، فعندما ننظر إلى الفكر الليبرالي بشكل أكثر تعمقاً نجده مفعما بالمثالية بمبادئه التي يروج لها "الحرية والمساواة " ويرجع ذلك من وجهة نظري إلى نوعية المنظّرين الذين نظّروا لهذا الليبرالية وما هم إلا مجموعة من الفلاسفة المتنطعين الذين لم يستنفدوا جهدهم في دراسة الطبيعة البشرية بوجهيها الحسن والسيئ، فتكلموا عن الحرية المطلقة للفرد في مساحة تكفل للآخرين أيضاً نفس القدر من الحرية. وهذه الحرية ليس لها أي مرجع يقوم بعملية الضبط لها متغافلين هنا عن أن الفرد هو المكون الأصيل للمجتمع، وبتلك الحرية الغير منضبطة تظهر لنا صورة مشوشة للمجتمع غير واضحة ولا نستطيع تصنيفها، فهنا قد أنتجت الليبرالية لنا عند التطبيق ترجمة مغايرة عن تلك المسطّرة في نصوص المنظرين لها وهنا تتجلى الفجوة بين التنظير والتطبيق.

كثيراً ما نكتشف أن النخبة ما هي إلا امتداد للأنظمة التي تستعملها لبسط سيطرتها على المشهد وصناعة حالة من التوازن بين مكونات العمل السياسي مما يعضد من مركزها ويحافظ على وجودها.

ثانياً: ضعف النخبة القائمة على تنفيذ الفكرة:
فالفكرة الجيدة دائماً بحاجة إلى رواد جيدين باستطاعتهم امتلاك المقومات التي تجعلهم أهلا لتحمل مسؤولية تطبيقها كما تصورها المنظّرون لها، أما لو فقدت النخبة الكفاءة فبالتالي تتسع الفجوة بين الفكرة وتطبيقها، وهنا نضرب المثل بالتيار الإسلامي بمختلف فصائله وتوجهاته، فجميعهم يتبنون أفكاراً هي جيدة من حيث التنظير، فيكفيها أن مرجعها هو الوحي الرباني المتمثل في الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، وإن اختلف التنظير لها من فصيل لآخر، ولكن تتجلى الإشكالية هنا في ضعف الفئة النخبوية التي تقع على عاتقها مسؤولية التطبيق لما تم التنظير له، فللأسف الشديد تفتقد هذه النخبة إلى الكفاءة فهي متجمدة لا تتطور، مقلدة لا تتجدد، متأقلمة لا تتحدى، مثابرة لا تبادر، تغرقها التفاصيل وتنشغل بالتنظيم وهياكله عن الرؤية وسبل تحقيقها، في كثير من الأحيان تتقوقع على نفسها مما يساهم في بناء حاجز بينها وبين المجتمع وهنا تتجلى الفجوة بين النظرية والتطبيق.

ثالثاً: أن يتبنى الفكرة مجموعة من المنتفعين وأصحاب المصالح:
فهم لا يتعاملون مع الفكرة إلا كونها وسيلة لتحقيق ما ترنو إليه أنفسهم من مطامع، سواء كانت مناصب سياسية أو مكاسب مادية، ويقومون بذلك من خلال خداع أتباعهم ممن أبهرتهم الفكرة وسمو ما تحتويه من مبادئ، فيستثيروا مشاعرهم بشعارات براقة ليدفعوهم دفعاً للتضحية من أجل تلك الفكرة، ويبقوا هم بمنأى عن الملاحم ولا يظهروا إلا عندما يهدأ المشهد، ليلبسوا أنفسهم لباس المناضلين أصحاب القضية، وتظهر لنا هذه المظاهر جلية في تيار اليسار بكل مكوناته من ادعاء الثورية ورفع شعارات المساواة والعدالة الاجتماعية وتصدير جموع المؤيدين لهم للمشاهد الحاسمة، ليدفعوا هم الضريبة منفردين، أما النخبة فما هم إلا مجموعة من أصحاب المطامع ودائماً هم بمعزل عن المشاركة في دفع تلك الضرائب التي سبقهم بها مؤيديهم.

يتوقف تأثير الفكرة عند أعتاب التجمعات التي تعلو فيها الشعارات المزيفة ولا تتعدى دفات الكتب التي سطّرت فيها، ونحن نتكلم عن إعدام لأثر الفكرة.

وكثيراً ما نكتشف أن تلك النخبة ما هي إلا امتداد للأنظمة الحاكمة التي تستعملها لبسط سيطرتها على المشهد وأحياناً لصناعة حالة من التوازن بين مكونات العمل السياسي مما يعضد من مركزها ويحافظ على وجودها، وفي هذا المثال يتوقف تأثير الفكرة عند أعتاب تلك التجمعات التي تعلو فيها أصواتهم بتلك الشعارات المزيفة ولا تتعدى الفكرة دفات الكتب التي سطّرت فيها، وهنا نحن لا نتكلم عن فجوة بين النظرية والتطبيق بل نتكلم عن إعدام لأي أثر لتلك الفكرة على أرض الواقع.

هذا هو حالنا الآن وحال كل المؤدلجين داخل التيارات المختلفة بتنوع أفكارها، وإلى أن تكتمل عناصر المعادلة بفكرة ناضجة ورواد يمتلكون الكفاءة التي تجعلهم قادرين على تطبيقها تبقى كل هذه الأفكار ما هي إلا حبر على ورق.