المساواة الاجتماعية والإنتاج

blogs - ناس في الشارع
قد يرى أغلبية الناس أن المجتمع الإنساني معقد للغاية، وبأن محاولة فهمه ومعرفة أسراره من أعقد ما يمكن للعقل البشري تتبعه ودراسته والتنبؤ به، وهو رأي وموقف قوي؛ لا يمكننا انكاره أو القفز عليه، بل إن أغلبية الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع لم يتفقوا على شيء كاتفاقهم على صعوبة دراسة المجتمع الإنساني والسلوك الإنساني داخل كل مجتمع. لكن وفي خضم هذا التعقيد الذي نلحظه في مجتمعاتنا هناك خيوط عريضة لابد وأن كل فرد منا إلا وقد لاحظها وتنبه لوجودها؛ ومن تلك الخيوط العريضة في مجتمعاتنا الإنسانية نجد مسألة "المساواة" فماذا نعني بالمساوة في المجتمع أو المساواة الاجتماعية؟ وما علاقة المساواة بالإنتاج؟ وهل يمكننا استنتاج فكرة قد تعيننا على فهم مجتمعاتنا بتتبعنا لخيط المساواة؟ دعونا نكتشف ذلك.
 
في البداية علينا أن نعلم يقينا بأن تجمعنا داخل جماعات (قديما) أو مجتمعات (حديثا) هو تجمع مصيري وحتمي قائم على دوافع واقعية ومصالح مشتركة لن يلبيها الإنسان إن اعتمد على نفسه فقط -هذا إن بقي حيا وحده-، فلا يمكن لأي فرد أن يطعم نفسه بنفسه ولا أن يلبس نفسه بنفسه ولا أن يلبي بنفسه كل احتياجاته.

وأمر آخر حتمي في تجمعاتنا لا يمكننا إغفاله هو ضرورة وجود قيادة لهذا التجمع، لأن اختلاف طباع وأفكار واحتياجات الناس تحتم وجود عقل منظم أو قيادة لهذا الاختلاف الطبيعي في سلوك البشر. وبوجود هذه القيادة تظهر طبقة اجتماعية مقربة من القيادة تستأثر بتسيير أفراد هذا المجتمع وخيراته، وإن كانت قيادة المجتمع لا ترى إلا مصالحها حصرا -وهو ما يحصل في أغلب المجتمعات- نجدها قد لوثت يدها بزجر وتهميش وظلم كل من جاء في طريق تحقيق مصلحتها ومصلحة حاشيتها المقربة، فيعم الطغيان ويختل توازن المجتمع فالتابعون لن يتحملوا مثل هذا الوضع، وسوف يبدؤون بالتحرك من أجل نيل المساواة مع من يستفيدون في القمة ولكي يصبح لهم أيضا شأن في الحكم والسلطة وخيرات بلدهم وأراضيهم.

المجتمع الإنساني بحكم انقسامه لطبقات اجتماعية يشهد صراعا على النفوذ والسيطرة بين طبقة مسيطرة تسعى لزيادة سيطرتها ونفوذها وأخرى تسعى لتقاسم هذا النفوذ ومطالبة بالعدل والمساواة وإيقاف استغلال القوي للضعيف.

وبمعنى آخر يمكننا القول بأن البشر ورغم احتياجهم لبعضهم البعض واجتماعهم لتلبية هذه الاحتياجات الا أنهم سرعان ما يطغى بعضهم على بعض وبالتالي تظهر الصراعات في المجتمعات. كذلك علينا إعادة النظر في نظرتنا للمجتمع بأنه كثلة موحدة من الأفراد تعيش مجتمعة لتلبية حاجات بعضهم البعض، فالصراع داخل المجتمع هو شيء حتمي لن يتوقف يوما ما لم تتحقق المساواة بين جميع أفراده، ويمكننا تعريف المساواة الاجتماعية بأنها الوضع الاجتماعي الذي تختفي فيه الامتيازات التي تتمتع بها مجموعة محددة. هذه المساواة لا تنطلق من منطلق أخلاقي أو قيمي بقدر ما تنطلق من منطلق السعي نحو المصالح والتدافع. ويمكننا تفسير العديد من الأحداث التاريخية بفهمنا لطبيعة الصراع على أنه إما سعي للمساواة الاجتماعية أو محاولة احتكار واستئثار واستكثار للسلطة والنفوذ.

أما فيما يخص حديثنا عن علاقة المساواة الاجتماعية وأهميتها في زيادة انتاج الفرد وإنتاج المجتمع ككل، فدعوني أسرد عليكم قصة تجربة نفسية مثيرة للاهتمام قام بها عالمي النفس "فرانس دي وال" و"سارة بروسنان" من جامعة اموري باطلننا، ولاية جورجيا الأمريكية.

تبتدأ التجربة حيث وُضع قردان، كانا يعيشان في الأصل جنبا إلى جنب، في قفصين متجاورين، كانا قد دُربا على مقايضة حصى صغير كان بحوزتهما بقطع من الطعام يحصلان عليها كمكافأة. واكتشف الباحثان أن القرود عادة ما تكون على استعداد لتسليم حجر تلو الآخر من تلك التي لديها في القفص للقائمين على التجربة، إذا ما كوفئت في كل مرة بشريحة من الخيار. ولكن قرود "الكبوشي" تفضل حبات العنب على شرائح الخيار. فعندما أعطى الباحثان أحد القردين حبات عنب مقابل تسليمه الأحجار إليهم وبقيا يعطيان القرد الآخر شرائح الخيار؛ ثار غضب القرد الثاني، وبات يرفض قبول شرائح الخيار، رغم أنه كان سعيدا بالحصول عليها في السابق. مما يدل على أن ما كان مقبولا من طرف القرد الثاني صار مرفوضا عنده بمجرد أن اتضح له أن ثمة جارا يحصل على مكافأة أفضل نظير قيامه بنفس الجهد. بل ومع تكرار استفزاز القرد الثاني بمنحه شرائح الخيار ومنح جاره حبات العنب اللذيذة اضطر القرد الثاني – الذي منح شرائح الخيار فقط – إلى رمي تلك الشرائح في وجه الباحث -الذي كان يحاول منحه قطع الخيار كمكافأة- تعبيرا عن رفضه لعدم المساواة. ويمكنكم الاطلاع على هذه التجربة من خلال البحث في موقع اليوتيوب بإدخالكم مثلا في خانة البحث "تجربة المساواة عند القرود".

ما يمكننا استنتاجه من هذه التجربة الجميلة هو أن خلق موقف من اللامساواة بين فردين أو فصيلين أو طبقتين اجتماعيتين في نفس المجتمع يولد شعورا بالظلم عند الفرد أو الفصيل الأكثر تضررا سيعبر عنه بكل الطرق حتى يزول عنه ما وقع به من ظلم ولامساواة. ولن يقوم بعمله بأكمل وجه لأنه يرى فردا أو فصيلا آخر يقوم بنفس العمل أو ربما أقل ويحصل على حصة أكبر وأفضل من المكافأت.

جل ما يحدث في مجتمعاتنا وشوارعنا ومؤسساتنا من تخريب وعقوق لمريديها لها؛ ربما هو فقط رد فعل لشعور مقترفيها بعدم المساواة، وستختفي ما إن يحس الناس بأنهم متساوون.

لذلك نجد مثلا أن عدم المساواة في الأجور ربما تترك في أعماق نفوسنا ازعاجا وعدم رضى، تماما كما كان انزعاج القرد. بل وقد تؤدي بنا لعدم العمل بجدية وانضباط، وبالتالي ينقص انتاجنا. لأن سلوكنا مرتبط بشكل كبير بمشاعرنا وتجاربنا السابقة أكثر مما هو مرتبط بعقلانيتنا أو مستوى وعينا بأهمية ما نقوم به من أدوار. فمن يتقاعس في أداء واجبه ليس بالضرورة انتهازي أو مستهتر فلربما المسكين يعاني من نفس ما عانى منه صديقنا القرد.

إذا وكاستنتاج لما سردناه لك عزيزي القارئ، يمكننا القول بأن المجتمع رغم تعقيد تفاصيله، إلا أن هناك مواضيعا وخيوطا من كبرها لا يمكننا تجاهلها. لعلنا اليوم ناقشنا أحد أكبر هذه الخيوط ألا وهي "المساواة" ودورها في حركية المجتمع؛ فعرفنا بأن المجتمع الإنساني بحكم انقسامه لطبقات اجتماعية يشهد صراعا على النفوذ والسيطرة بين طبقة مسيطرة تسعى لزيادة سيطرتها ونفوذها وأخرى تسعى لتقاسم هذا النفوذ ومطالبة بالعدل والمساواة وإيقاف استغلال القوي للضعيف وإعادة توزيع الثروة داخل نفس المجتمع.

ثم وبالاستعانة بتجربة "القرود والخيار" عرفنا بأن الإحساس بعدم المساواة يؤدي إلى تدني إنتاجية الفرد وإلى رفضه القيام بالعمل؛ بل وقد يؤدي -الإحساس بعدم المساواة- في بعض الأحيان لثورة غضب قد يكون لها ما بعدها من أحداث. وجل ما يحدث في مجتمعاتنا وشوارعنا ومؤسساتنا من تخريب وعقوق لمريديها لها؛ ربما هو فقط رد فعل لشعور مقترفيها بعدم المساواة، وستختفي ما إن يحس الناس بأنهم متساوون. وبالتالي فالتنظيم والرقي والسلم الاجتماعي ترتبط كلها بشكل كبير بدرجة المساواة داخل المجتمع، وكذلك فكلما شعر الناس بتساويهم كلما كان انتاجهم وعطاؤهم أوفر وأكثر ديمومة واستقرارا.
فيا قناديل الوعي، يا نخبة وقادة المستقبل اهتموا بالمساواة داخل مجتمعاتكم تعينكم شعوبكم… والله الموفق.