درس في حب الوطن من غربتي الأولى

blogs - شباب مصر
أن ترحل عن دولتك وإن كانت لا دولة، وأن تترك وطنك وإن كان لا وطن، وأن تترك ذوي القربى وإن كان لا قرب فيهم، وأن تتمرد على أهل الدين وإن كان دينهم ضعيف، وأن تتمرد على حالك وإن كان لا يسر، فأكاد أجزم الآن أن ترحل فإنك تختار لا حل! فإن خيرت بين رغد العيش خارج وطني سأختار اللا عيش في وطني وبدون تردد، فقمة المروءة أن تقف كرجل وتعارض وتقول: لا وتعمل على الإصلاح ما استطعت.
لا تفر من اللا في بلادك وتقول نعم في بلاد أشد مضاضة تفرض عليك نظامها وقوانينها التي باطنها الكفر وإن تظاهرت بالإيمان، يجب أن نخلق واقعا في بلادنا نقول له نعم ونخلصها من كل لا أصابتها، ويذكر التاريخ دائما؛ بل ويدون المجد لمن قالوا: لا في وجه من قالوا نعم!

أن تقول لا من أجل حق وإصلاح خير، من قول نعم أو تصمت عن القول من أجل تحقيق الأغراض والمآرب، وإن خرجت من بلدي يوما من أجل تحقيق المنفعة سيكون نصب عيني درء الضرر عن بلدي، وسيكون الرحيل وسيلة لا غاية، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فحين هاجر من مكة كان شديد الحرص على أن تكون أم القرى هي منطلق الدعوة وقاعدة الرسالة، وأن يكون أهلها وهم أهله الأقربون حُماة الدين وحُراس العقيدة، ولذا فقد آلم نفسه أشد الإيلام اضطرارهم إياه للبحث عن قاعدة أخرى ثم الخروج إلى بلد آخر، وهيَّج ذلك في نفسه الكريمة معانٍ ومشاعر كبيرة وكثيرة إذ لم يكن من السهل على صاحب هذه النفس العظيمة أن يصير حاله مع بلد الله الحرام التي نشأ في ربوعها واختلط بأهلها وأشيائها وتجاوبت عواطفه مع مقدساتها وطبعت ذكريات أيامه في مختلف نواحيها إلى الاضطرار للخروج منها، وقد صورّ النبي الكريمُ ﷺ هذه المشاعر في كلماتٍ مؤثرة خاطب بها بلد الله الحرام.

إن الوطن كيان معنوي يشغل حيزا كبيرا في النفوس الكريمة، وتجسيد الوطن في الأشخاص قبح عظيم، فالأشخاص تُحب وتُكره.. تُمدح وتُذم.. بينما الوطن يتربع مترفعا عن كل ذلك.

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما خرج رسول الله من مكة قال: (أمَا والله لأخرج منك وأني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلىَّ وأكرمه على الله ولولا أن أهلك أخرجونى منكِ مَا خرجت).

إن حب الوطن فطرة إنسانية ولم تزل الشعوب على اختلاف عقائدها وميولها وأجناسها متفقة على هذه الفضيلة متجاوبة المشاعر مع هذه الفطرة. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (عَمَّر اللهُ البلدانَ بحب الأوطان). وقال عبد الله بن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أي ما قسمه الله لهم من الأرزاق والحظوظ أقنع منهم بأوطانهم.. وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس لبلدها تواقة وإلى مسقط رأسها مشتاقة.

وقال بعضهم:
كُنا ألِفْنـاها ولم تَكُ مَـأْلَفاً وقد   *** يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
كما تُؤْلَفُ الأرضُ التي لم يَطِبْ *** بهاهـواءٌ ولا ماءٌ ولكنـها وطـن

وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك.
وقالت الفرس: تربة الصبي تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في الكبد رقة.
وقال الشاعر: بلدي وإن جارت عليَّ عزيزة.

ولئن كان هذا الشعور بحب الوطن أمراً فطريا مركوزاً في النفوس فإن الدعوة المباركة التي جاء بها النبي ﷺ قد دَعت إليه وحببت فيه، هذا في عموم الأوطان وعموم الناس.. وما رواه الحسن عن أبَان بن سعيد بن العاص رضي الله عنه أنه قدم على النبي ﷺ فقال له: (يا أبَانُ كيف تركتَ أهلَ مكة؟!
قال: تركتُهم وقد جَيَّدُوا).

وكان ﷺ يسمع كلام أصحابه رضوان الله عليهم في الحنين إلى مكة فيرق لحالهم ويقدّر عواطفهم ويدعو لهم بأن يحبِّب الله إليهم المدينة كما حبّب إليهم مكة. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وُعك أبو بكرٍ وبلالٌ. قالت: فدخلتُ عليهما. فقلتُ: يا أبت كيف تجدك؟! يا بلاَلُ كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحُمَّى يقول:
كلُ امرئ مُصَبَّحٌ في أهله *** والموتُ أدنى من شِرَاك نعله

وكان بلالٌ إذا أقلع عنه الحُمَّى يرفع عقيرته، ويقول:
ألا ليتَ شِعرى هل اْبيتنَّ ليلةً ***  بوادٍ وحولى إِذْخَرٌ وجَليل
وهل أرِدَنْ يوما مياه مَجَنَّة   ***  وهل يَبْدُوَنْ لىَ شامةٌ وطَفِيل

ويرحم الله البوصيري حيث قال:
ويح قوم جَفَوْا نبيّا بأرضٍ *** وألِفَتْه ضبابها والظباءُ
وسَلَوْه وحَنّ جذغ إليه     *** وقَلَوْه وودَّه الغرباء

مصر أرضنا "واللي مالوش خير في أرضه ابن حرام".. كما قال المثل المصري، هكذا تربينا وسوف نظل ولن نحمل الوطن عجزنا أبدا، فنحن سلبيون وقلائل الحيلة.. أنانيون إلى حد بعيد.

ومما يتضح على النحو السابق أن الرسول ﷺ قال لا في وجه المشركين، وخاض من أجلها الحروب! وأبو بكر الصديق قال لا في وجه مانعي الزكاة وأقام عليهم الحجة بالردة وخاض من أجلها الحروب. وعمر بن الخطاب قال لا وقتل من أجلها. وعثمان بن عفان تمسك بالخلافة وقال لا في وجه الخوارج وقتل من أجلها. وعلي بن أبي طالب قال لا في وجه الخوارج وقتل من أجلها. والحسين بن علي ثار قائلا لا، وتمسك بالبيعة وقتل من أجلها.

قل لا، ولا تبالِ وإن كانت النتيجة القتل فهو خير ميتة، وتفنى الأجساد وتبقى القضية، ولا قيمة لبشرٍ بدون قضية، وهي آجال تنقضي يوم أذن الله لها.

الختام.. إن الوطن كيان معنوي يشغل حيزا كبيرا في النفوس الكريمة، وتجسيد الوطن في الأشخاص قبح عظيم، فالأشخاص تُحب وتُكره.. تُمدح وتُذم.. بينما الوطن يتربع مترفعا عن كل ذلك.

أحب مصر من لا شيء، وبغض النظر عن أي شيء، لا أحملها ما لا طاقة لها به، فما ذنبها أن عمها العلوج وسادها الزنام؟! هي ليست أما لأحد ولم تنجب أحدا، وحتى الأم حين تنجب لا تختار وليدها ولا تسأل عن طبائعهم!

مصر أرضنا "واللي مالوش خير في أرضه ابن حرام".. كما قال المثل المصري، هكذا تربينا وسوف نظل ولن نحمل الوطن عجزنا أبدا، فنحن سلبيون وقلائل الحيلة.. أنانيون إلى حد بعيد.. نريد أن نحتفظ بما نحقق لأنفسنا فقط بمبدأ "أنا ومن بعدي الطوفان"!