الإسلام بين السماحة و آية السيف

blogs - islamic
ومن الحقائق التي لفت القرآن إليها الأنظار أن الله سبحانه لم يجعل الخلق نمطا واحدا في ألسنتهم وألوانهم، بل جعلهم شعوبا وقبائل لا ليكون هذا الكون أتونا مستعرا لسفك الدماء وإزهاق الأرواح، وإنما كل ذلك وإن وقع بالأمس واليوم فهو اعتداء وإفساد يجب أن يزال. فالإنسانية تتنوع إلى شعوب وقبائل، والسماحة هي السبيل إلى تعايشها وتعارفها في الإطار الإنساني العام.
 
وإذا كان القرآن قد نص على سنة الله في البشر أن يتفرقوا بمقتضى الغريزة إلى شعوب وقبائل، ويكونوا مختلفين في العقول والأفهام والمنازع، وفي اللغات والأديان والشرائع، ومتنازعين في المصالح والمنافع، إذا كان الأمر كذلك فإننا نفهم إلى أي مدى تكون هذه البشرية في حاجة إلى السماحة التي لا يفتأ يدعو إليها الإسلام في كل تشريعاته في حال الحرب والسلم.

ذهب بعض المفسرون للأسف إلى أن كل آية فيها الأمر بالصبر على الأذى والاستمرار في نهج الدعوة بالتي هي أحسن هي منسوخة بآية السيف (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ).

إن من مظاهر سماحة الإسلام مع أهل الكتاب (اليهود والنصارى) أن الله أحل لهم طعام المسلمين، وأحل طعامهم للمسلمين، وأحل نساء أهل الكتاب للمسلمين استثناء من الأصل التشريعي العام. ولهم أن يتعاملوا مع المسلمين جميع المعاملات المباحة.

يقول الإمام الكاساني(7/113): "ويتركون يسكنون في أمصار المسلمين يبيعون ويشترون، لأن عقد الذمة شرع ليكون وسيلة لهم إلى الإسلام…"، وفي الأحوال الشخصية أبيح لهم كل زواج يتفق ودينهم ولو خالف شرائط الزواج عند المسلمين. وفي العبادات والاعتقادات أطلقت لهم الحرية، ومنع من التعرض لهم فيها. وفي ظل هذه الأحكام السمحة والعدالة عاش غير المسلمين في بلاد الإسلام.

بينما ذهب بعض المفسرين للأسف إلى أن كل آية فيها الأمر بالصبر على الأذى والاستمرار في نهج الدعوة بالتي هي أحسن هي منسوخة بآية السيف (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ). وهذا يؤدي إلى تعطيل العمل بآيات كثيرة لعلها تزيد على المائة آية، لست أظن أن الله تعالى أنزلها من أجل التبرك بقراءتها فحسب.

إن الآراء المغرمة بآية السيف تخالف روح التشريع العامة، ونصوصه المحكمة في معاملة المخالفين بالمسامحة ما لم يستعلنوا علينا بحرب أو عدوان، أو الوقوف في وجه الدعوة، أو صد الناس عن الحق، ذلك لأن دين الله ليس به حاجة إلى قوم يذعنون تحت بريق السيف، أو سوط إكراه.

لاشك أن إعمال السيف في رقاب العشرات من الآيات الآمرة بالصبر والصفح والموادعة هو إظهار للإسلام بأنه دين كلف بالولوغ في الدماء وإزهاق الأرواح لأدنى فرصة تلوح من مخالف في العقيدة، وفي هذا من بليغ الإساءة له ما ينزه عنه دين لم تعرف الدنيا مثيلا لأحكامه وتشريعاته في الحرب والسلم.

لقد انداحت موجة الإسلام إلى أصقاع بعيدة في الأرض، وامتد نوره إلى أدغال إفريقيا وآسيا، وأقبل الوافدون الجدد عليه في لهفة العطشان الباحث عن الماء دون سيف ولا قتال، ولكنهم الدعاة والمعلمون والتجار الذين بهروا الناس بسماحة هذا الدين وهديه في معاملة المخالفين.

لقد دلت التجارب أن مكاسب الإسلام تتضاعف في أوقات الموادعة والدعوة بالحسنى، فقد توقف القتال بين المسلمين وقريش بعد صلح الحديبية سنتين فقط، وكان عدد الذين حضروا مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلح ألفين فقط، ثم بعد نقض الصلح كان عدد الذين دخلوا معه مكة عشرة آلاف مقاتل، أي أن العدد خلال سنتين فقط من الصلح تضاعف مرات عديدة.

لقد انداحت موجة الإسلام إلى أصقاع بعيدة في الأرض، وامتد نوره إلى أدغال إفريقيا وآسيا، وأقبل الوافدون الجدد عليه في لهفة العطشان الباحث عن الماء دون سيف ولا قتال.

ومعنى ذلك أن أجواء الدعوة والسماحة أجدى على الإسلام والمسلمين من أجواء الحرب والقتال. إن هذه السماحة الحانية هي التي أنطقت عقلاء الغرب بشهادة الحق. يقول صاحب (قصة الحضارة): "إن البطارقة ظلوا على كراسيهم بأنطاكية وبيت المقدس والإسكندرية، وذلك بفضل سماحة المسلمين".

هذه هي بعض فلسفة السماحة في الإسلام، وتلك بعض وجوهها وتطبيقاتها في أبهى ما يمكن أن تبلغه البشرية من صور الكمال والجلال، ليقلب الناظر بعدئذ بصره في واقع المسلمين الحزين، وذلك أن طوائف منهم قد أساءت إلى هذا الدين العظيـم بمفاهيم مغلوطة، أو نظرات شائهة إلى بعض أحكامه ونصوصه، بعامل العجلة حيناً، أو بعامل قلة الفقه، وسفاهة الأحلام في أحايين كثيرة. وقد أرهق ذلك أولي الأحلام والنهى في الأمة كثيرا، لأنهم هم المعنيون بإعادة الحقائق المظلومة إلى نصابها، وبالله التوفيق.