شعار قسم مدونات

ممنوع التخطيط للغد

blogs قائمة

ما يميز الأمم منظومتها التعليمية وحث أبنائها على التخطيط لمستقبلهم الذي هو مستقبل الأمة فالنجاح في الحياة ما هو إلا ثمرة من ثمار التخطيط الناجح. والفشل يعود لعجز المنظومة التعليمية على تعزيز تطلعات التلاميذ الصغار في رسم مستقبل مشرق لهم ولأوطانهم وعدم إحباطهم وتغليف عقولهم اليافعة بفهم خاطئ وتفكير قاصر. يتجلى ذلك من خلال غلق قدراتهم على أية رؤية جلية لاستشراف آفاق المستقبل وتحدياته وإعطاء فسحة من الحرية لأفكارهم في التخطيط للغد ورسم آمالهم وأمانيهم، دون ضغوط نفسية من مربين يفترض أنهم مؤتمنون على توجيه أفكارهم بشكل إيجابي نحو مستقبل مشرق. 

في أواخر المرحلة الابتدائية قال لنا مدرس التربية الإسلامية بأنه لا يجوز أن تقول لشيء إني فاعل ذلك غدا مستشهدا بالآية الكريمة "وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا" وساق لنا قصة مازالت تطن في رأسي، قال: ذات يوم رأى شخص صديقا له يحمل حجرا ويضرب نفسه بها. سأله لماذا تفعل ذلك فقال له لن أجيبك ولكن سأدعك تكتشف السبب بنفسك. هلم معي. 

أخذه خارج المدينة إلى مكان ناء حتى وصلا إلى جبل فيه مغارة يسد مدخلها باب حجري ضخم حاول دفع الحجر فلم يفلح فقال له بأن هذا الباب لا يفتح لأي شخص سوى مرة واحدة ولا يمنحه فرصة ثانية. وطلب من الرجل الآخر أن يقوم بدفع الباب الحجري فانزلق بسهولة وظهر خلفه سلم طويل يتجه إلى الأسفل. قال له صديقه انزل على هذا السلم وستكتشف بنفسك ذلك الكنز الثمين الذي أضعته بحماقتي.

 

إياك أن تسأل عن أمر في المستقبل فهو من تدبير الله وليس علينا أن نفكر فيما سيحدث غدا فهو أمر ليس بيدنا ولا شأن لنا فيه

نزل الرجل داخل النفق فارتد الغطاء إلى مكانه وفي آخر السلم رأى العجب، إذ رأى فيما رأى مدينة جميلة أغرب من الخيال فيها الماء الدافق وكل ما لذ وطاب، ناسها طيبون تبدو على محياهم آثار السعادة والقناعة، مر الرجل قرب محل ثمار شهية وأحس برغبة في شراء قطعة فاكهة فقال للبائع كم ثمن هذه الفاكهة. نظر البائع إليه مستغربا وقال له: من أين أنت؟ نحن في هذه المدينة لا نتعامل بالنقود وبإمكانك أن تأخذ حاجتك من أي شيء تريد، ما عليك سوى أن تقول من فضل الله أعطني هذه التفاحة، وبإمكانك أخذها بكل بساطة.

 

سر الرجل كثيرا وعاش سعيدا بين أهل هذه المدينة يحصل على كل ما يحتاج إليه دون دفع أية نقود. رأى الرجل بأن الجميع يعملون ولا يأخذون مقابلا لعملهم فكما أن أي شخص هنا يأخذ بالمجان فهو كذلك يعطي بالمجان. شعر بأن عليه أن يعمل كما الآخرون وتذكر أنه يحترف مهنة النجارة فذهب إلى منجرة وعرض عليهم أن يعمل فيها، أحبه كبير النجارين لمهارته وإخلاصه بعمله فعرض عليه أن يزوجه ابنته، ولما رآها افتتن بجمالها وحسن طلعتها وحلاوة حديثها.

 

تزوجها وعاش معها سعيدا هانئا لا يعكر صفو عيشته في هذه المدينة الهادئة أي شيء. بعد فترة أخبرته بأنها حامل، كاد يطير من الفرحة وسألها متى ستضعين المولود، فقالت متى ما شاء الله. وإياك أن تسأل عن أمر في المستقبل فهو من تدبير الله وليس علينا أن نفكر فيما سيحدث غدا فهو أمر ليس بيدنا ولا شأن لنا فيه. ذات يوم مر بسوق السمك فرأى سمكة كبيرة أعجبته فقال للبائع من فضل الله أعطني هذه السمكة. أخذها وعاد فرحا إلى بيته. قالت له زوجته هذه سمكة كبيرة تفوق حاجتنا للطعام فلم لم تأت بسمكة أصغر، حرام أن نرمي ما يزيد على حاجتنا منها.

 

بقينا نحن التلاميذ نرتعب كلما فكرنا لأمر سنفعله غدا ونحن نتصور نفسنا نحمل حجرين نضرب بهما على صدرنا نادمين. ما جعلنا نعيش حالة من ضبابية التفكير والخوف من التخطيط للمستقبل

فقال لها اطهيها لنا وسنأكل منها اليوم وغدا. نظرت إليه بشزر قائلة له كم مرة أفهمتك بأن القاعدة الأساسية في مدينتنا ألا تفكر بالغد وألا تقول لشيء إني فاعل ذلك غدا. وصفعته كفا رماه خارج المدينة، نظر حوله فلم ير سوى رمال حارقة في صحراء شاسعة. أحس بندم شديد وحمل حجرين أخذ يضرب بهما على صدره متحسرا على ما ضاع منه. 

وبقينا نحن التلاميذ نرتعب كلما فكرنا لأمر سنفعله غدا ونحن نتصور نفسنا نحمل حجرين نضرب بهما على صدرنا نادمين. ما جعلنا نعيش حالة من ضبابية التفكير والخوف من التخطيط للمستقبل. ولم يكمل لنا أستاذنا الفاضل تتمة الآية الكريمة "إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ". وذلك ما يجعل من تفسيره خاطئا وما بني على خطأ فهو خطأ يتحمل وزره كل من لا يغرس قيم التطوير والتخطيط لمستقبل مشرق كما أمرنا الله سبحانه بقوله في الآية الكريمة ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.