صلاح الدين بين أمة تستحقه وأخرى تسحقه

مدونات - صلاح الدين

يقول شيخ مؤرخي مصر والإسلام تقي الدين المقريزي، في مدح صلاح الدين ووصفه بكثير من الصفات النبيلة مثل التواضع والصبر وقوة الاحتمال والورع، وقبل ذلك كله كرمه وسعة يده وقلبه: «لم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به وصاحبه ملازم في طلبه.. وكان ورعاً، رأى يوماً العماد الكاتب يكتب من دواة محلاّة بالفضة فأنكرها، وقال هذا حرام، فلم يعد يكتب منها عنده. وكان لا يصلي إلا في جماعة، وله إمام راتب ملازم، وكان يصلي قبل الصبح أربع ركعات إذا استيقظ، وكان يسوي في المحاكمة بين أكبر الناس وبين خصمه، وكان شجاعاً في الحروب، يمر في الصفوف وليس معه إلا صبي".

ويقول الكاتب محمد فوزي رحيل معلقاً على كلام المقريزي: وقارئ كلام المقريزي يجده واضحاً من دون لبس. لا يحتاج إلى أي شرح، لكن نشير إلى ما جاء في العبارة الأخيرة من تجواله بين صفوف القوات، وهو أمر بالغ الخطورة من حيث إنه القائد العام للجيوش الإسلامية، ومع ذلك لم يكن ينفصل عن أصغر جنوده، ولا يضع بينه وبينهم حواجز، بحيث إنه كان يتفقد الجيش من دون حراس، وهذه شجاعة تقترب من حد التهور، لأنه كان من السهل أن يتنكر أي جاسوس أو من يريد السلطان بسوء بين الصفوف ويصيبه إذا أراد، لكن إيمان صلاح الدين الجازم بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له جعله يتحرك بين جنوده الذين يثق بهم من دون خوف أو وجل".

وقد امتدح مؤرخو الغرب صلاح الدين بما قد عاينوه من رحمة أقامها وظلم أزاحه وعدل أرساه فها هو المؤرخ البيزنطى نيكتاس خونياتس يشهد بقوله على رحمة صلاح الدين وعدله، مخبراً عن ما شاهده بأم عينيه وقت سقوط القدس في يد الصليبيين وما فعلوه بهذه المدينة العريقة من سلب ونهب وهتك أعراض نسائها، حتى راهبات الأديرة لم يسلمن من هذا الفعل الفظيع، هذا المؤرخ حين يتحدث عن صلاح الدين ودخوله على رأس المسلمين القدس، تختلف نبرته وتعتدل لهجته ويقول: "المسلمون أكثر رحمة من الصليبيين، فعندما استعادوا بيت المقدس عاملوا اللاتين بلطف ورقة، وحافظوا على حريمهم، ولم ينتهكوه، ولم يدنسوا على الإطلاق قبر المسيح، وحرصوا على عدم دفن موتاهم بجواره".
 

العجيب أن تجد الأمريكيون رغم خواء تاريخهم من أية بطولة يحتفون بها، حاولوا بشتى الطرق صناعة صورة أسطورية للبطل الأمريكي الخارق والنموذج الفريد الذي، يتميز بمهارات فائقة تمكنه من القتال والتغلب على أعدائه.

ويقول أيضا "ول ديورانت" عن القائد صلاح الدين رحمه الله، فقد قال في رائعته "قصة الحضارة" عن صلاح الدين أنه: "كان في العادة شفيقاً على الضعفاء، رحيماً بالمغلوبين، يسمو على أعدائه في وفائه بوعده سموا جعل المؤرخين المسيحيين يَعجبون كيف يخلق الدين الإسلامي -الخاطئ في ظنهم- رجلاً يصل في العظمة إلى هذا الحد، وكان يعامل خدمه أرق معاملة، ويستمع بنفسه إلى مطالب الشعب جميعها، وكانت قيمة المال عنده لا تزيد على قيمة التراب، ولم يترك في خزانته الخاصة بعد موته إلا ديناراً واحداً؛ وقد ترك لابنه قبل موته بزمن قليل وصية لا تسمو فوقها أية فلسفة مسيحية". وقد علق مترجم كتاب "قصة الحضارة" على كلام "ول ديورانت" السابق في صلاح الدين بقوله: الحق أن عظمة صلاح الدين منشؤها استمساكه بأوامر دينه واتصافه بفضائل هذا الدين.

والعجيب أن تجد الأمريكيون رغم خواء تاريخهم من أية بطولة يحتفون بها، حاولوا بشتى الطرق صناعة صورة أسطورية للبطل الأمريكي الخارق والنموذج الفريد الذي، يتميز بمهارات فائقة تمكنه من القتال والتغلب على اعدائه، باستدعاء كافة صور الجلد والقوة والذكاء والاعتزاز بالوطن والفخر وجذب الأفئدة والعقول معاً في شخص بطلهم جون رامبو والذي أدى دوره الممثل الأمريكي سيلفستر ستالون. قلت في نفسي هذا وتاريخهم خالي الوفاض من الأمجاد، فيكف بمن يمتلك هذا التاريخ المشرف، أيهدمه ويسحقه تحت عجلات الجهل والحقد؟ عجبا ألف مرة!

هل من الفقه أيها العاقلون أن نتحدث عن رجل مثل " صلاح الدين " بكل هذا السوء، هل من العقل والديانة معاً أن نطعن في دين ومروءة رجل لن نبلغ مده ولا نصيفه، رجل نصر الله به دينه وأعز كلمته، أيقال عنه من أحقر الشخصيات في التاريخ الإنساني، ثم أيمدح اليهودي موسى بن ميمون اليهودي مدحاً طيبا وينفى عن صلاح الدين معالجته ريتشارد قلب الأسد فيوضع صلاح ويرفع اليهودي ثم أنه ما أراد بفتح القدس وجه الله وإنما هي أخته التي أٌسرت، سبحانك ربي هذا بهتان عظيم أيقال عن من حافظ على مصر مرتين من احتلال صليبي، وأعاد وحدة مصر والشام، وأعاد اجتماع الأمة في مصر والشام، فضلاً عن أنحاء في ليبيا واليمن تحت راية خلافة واحدة، وحصَّن القاهرة وبنى قلعتها ليحفظها من الأطماع الصليبية، وحرر بيت المقدس بعد 90 سنة، إذا كانت هذه صفات أحقر الناس فمن أعزهم وأرفعهم إذن؟
 

ولكن الحقيقة أننا لا نستحق صلاح الدين، نحن أمة مخذولة لا تشرف بالرجال ولكن تشرف بأرباب النفاق والعهر ومخنثي الفكر والعزم، نحن أمة ضيعت شرفها فكثر فيها أشباه الرجال ممن يعانون من البغاء الفكري والخواء الروحي. والذي ينبغي أن يستقر في أذهاننا أن أمثال يوسف زيدان وممن أردوا الذكر ولو باللعن فبالوا في بئر التاريخ،يرتعشون من صلاح الدين، لأنهم لا يريدون ببساطة صلاح الدين،بل يريدون هدمه!