الفُرقة العربية والاتحاد الأوروبي

blogs- مطار

شعورٌ قاسٍ ينتابُكَ حينما تحاول ولو سريعاً أنْ تجريَ مقارنةً سريعةً بين واقع الوحدة في دول الاتحاد الأوروبي وواقعِها في وطننا العربي الذي يَئِنُّ تحتَ وَطءِ الفُرقةِ المريرة التي أسّسها رجال سايكس بيكو منذ أزلٍ بعيد.. وبالرغم من أنّ الوضعَ في دول الاتحاد الأوروبي ليس كما كان عليه سابقاً، إلا أنه وبصراحةٍ منقطعةِ النّظير يفوقُ الواقع العربي.. تلك هي الحقيقة المُرّة التي حاولتُ أن أقمعَ ظهورَها، وأجبرَها على عدم الظهور، ربّما بسبب عنصريّتي العربية، ولكنّها في النهاية لابدّ أن تقفزَ إلى ميدان القرطاس والقلم، شِئنا أمْ أبَيْنا..
 

ولعلّ قَفْزتَها الأولى كانت قبلَ أشهرٍ، حين قَرّرتُ زيارةَ أخي المقيم في دولة ألمانيا الاتحادية انطلاقاً من هولندا حيث أقيمُ أنا، ثم المُضِيّ بعد ألمانيا باتجاه السويد حيث يقيمُ أحدُ أقراني المُقرّبين مروراً بالدنمارك التي تقع بينَ ألمانيا والسويد برّاً، لأجدَ نفسي أنني اجتزتُ أربعَ دولٍ أوروبيّة دون أيّةِ صعوباتٍ أمنيّة، ودون أن تُمهَرَ وثيقةُ سفري نهائياً، بل إنني لم أضطرّ لإبرازها إلا مرّةً واحدةً وبشكلٍ سريعٍ عند الحدود الدنماركية السويدية وذلك كإجراءٍ روتيني اعتيادي بدون أيّةِ مضايقةٍ تُذكَر، وكذلك المعاملة بالمثل في طريق الإياب، حيث عدتُ بالطائرة من مطار السويد إلى مطار أمستردام، وهبطت الطائرة أثناء رحلتِها في مطار كوبنهاغن في الدنمارك، وكل ذلك دون أيّ سؤال أو استفسار أو طوابع ماليّة، أو ختوماتٍ مكثّفة على وثيقة السفر..
 

العين التي تراقب الوطن العربي عن كثب، ستتيقّنَ أنّ واقع الوحدة العربية يتّجه نحو الأسوأ، وذلك في ظل التشرذم الطائفي والتمزق العنصري الذي يعيشه المواطن العربي.

عندما هبطَت الطائرةُ في مطارِ أمستردام، وخرجتُ خروجاً هادئاً مطمئنّاً من كواليس المطار، انتابني شعورٌ غريب، لا يمكن لهذه السطور الفقيرة أن تُلِمّ بجوانبهِ التي تمتلئُ بمشاعر الحسرةِ والتّأسُّفِ على واقعِنا العربي الذي قطّعَته الفُرقةُ، وأذهبَ التشتّتُ ريحُهُ المدويّة.. تخيّلتُ نفسي أنني أريدُ أن أجتازَ أربع دول عربيّة، ثمّ سألتُ نفسي الأسئلةَ المُدرَجةَ أدناه: كم هي الأوراق التي سيُطلَبُ جمعُها؟ وكم هي التأشيرات التي سيُختَمُ بها جواز السفر، هذا إنْ حصلَت الموافقة لدخول تلك الدولة العربية؟ خاصّةً أن جُلَّ الدول العربية منعَت بعض المواطنين العرب من دخول أراضيها بسبب الأزمات التي اندلعت في بلدانهم، وكم هي الإجراءات التي سَتَستَبِقُ موعد الرحلة؟ وما هو عدد الأوراق الثبوتية المطلوبة من أجل العبور؟
 

إذاً هو واقعٌ مريرٌ، فنحن العربَ أَوْلى بالوحدة من دول الاتحاد الأوروبي، وذلك لأن مقوّمات الوحدة متوفّرة في وطننا العربي وعلى رأسِها اللّغةُ العربيّةُ الجامعة لألسنةِ المواطنين العرب من المحيط إلى الخليج، وذلك بعكس دول الاتحاد الأوربي التي ينطقُ مواطنوها بلغاتٍ ولهجاتٍ متعدّدة، ولكنّ الواقع العربيّ ينقصه إلغاء الحدود الجغرافية، تلك التي رسمها أزلام المستعمرين، والتي ماتزال مرسومةً حتى اليوم كما أرادوا وكما شاؤوا..
 

هذا وإنّ العين التي تراقب الوطن العربي عن كثب، ستتيقّنَ أنّ واقع الوحدة العربية يتّجه نحو الأسوأ، وذلك في ظل التشرذم الطائفي والتمزق العنصري الذي يعيشه المواطن العربي، بل إنّ الطائفةَ الواحدة تمزّقت على أعقابها إلى مِللٍ متناحرة ومتنافسة، ففي الجمهورية العربية السورية أكثر من ألف راية ترفرف في سمائها..
 

و في ظل هذا الواقع الذي لا نُحسَد عليه، عادت عقارب الذاكرة إلى الوراء عقداً من الزمن حيث العام 2007، عندما كنتُ مدرّساً لمادة اللغة العربية في إحدى مدارس ريف درعا جنوب سورية، حيث كان موضوع الدرس آنذاك (لماذا)، إذ تساءلَ الكاتب الذي كتبَ هذه القصة عن الفرقة العربية وذلك بعد اجتيازه للهند من أقصاها إلى أقصاها دون أن يعرض جواز سفره سوى مرة واحدة، في حين عرضه 6 مرات أثناء تجوله في عدد من الدول العربية.
 

قال لي أنّ مدينته شهدت انقساماً فيما يخص إعلان شهر رمضان، ففي حين أعلنَ المجلس الثوري في قريته رؤية هلال شهر رمضان، كانت المدينة التي هي على بعد بضعة كيلومترات من قريته أعلنَت أنه لم يُرَ هلال شهر رمضان، فصامت القريةُ وأفطرت المدينة..

بيت القصيد هو عندما ذكَرَ أحد طلابي مظاهر الفُرقة العربية ومنها: اختلاف العرب في تحديد اليوم الأول من شهر رمضان، فتجد أنّ هناك دولاً تصوم ودولاً تفطر، في مشهدٍ معيب. بعد أن سمعتُ هذه الإجابة من ذلك الطالب عقّبتُ عليها مازحاً وقلت للطلاب: لا تستبعدوا أيّها الطلاب أن يأتيَ يومٌ يتطور فيه الخلاف العربي، ليشمل المدينة الواحدة، فتجد أنّ قريةً واحدةً منها تشهد بهلال شهر رمضان، في حين تُتِمّ القريةُ المجاورة لها الثلاثين من شهر شعبان. ضحكَ الطلابُ وضحكنا جميعاً لأننا استبعدنا أن يحدث هذا الأمر..
 

ولكنني تفاجأتُ جداً وبعدَ تسعِ سنوات، بأنّ أحَدَ طلابي الذين أصبحوا شباباً أشدّاء، يُهاتفُني ويُذكّرُني بما قد قلتُه لهم مازحاً قبل تسع سنوات، ويؤكّد أنّه قد حدثَ بحذافيره، فقال لي بأنّ مدينته شهدت انقساماً فيما يخص إعلان شهر رمضان، ففي حين أعلنَ المجلس الثوري في قريته رؤية هلال شهر رمضان، كانت المدينة التي هي على بعد بضعة كيلومترات من قريته أعلنَت أنه لم يُرَ هلال شهر رمضان، فصامت القريةُ وأفطرت المدينة..
 

إذاً ما اعتقدنا أنّه هَزوٌ ومُزاح أصبحَ اليوم واقعاً نعيشه وندفع ثمنه جميعاً .بعد تلك المكالمة الهاتفية التي أجراها ذلك الطالبُ رحتُ أسأل نفسي: هل سيأتي اليوم الذي تصومُ فيه اليد اليمنى في الجسد العربي وتفطرُ اليد اليسرى؟! لا مستحيل في عالَم الفُرقة العربيّة..