للأسف هو لا يعطي.. يأخذ فقط

blogs هدية

ذهبنا في رحلة قصيرة وقضينا وقتاً ممتعاً، صورنا أنفسنا صوراً جماعية بهواتفنا المحمولة، واتفقنا أن ننشئ مجموعة مؤقته في الواتساب ونرسل فيها الصور كي تصل للجميع ويأخذ كل شخص ما أراد منها، وبالفعل حصل ذلك، وكلٌ أدلى بدلوه ونشر الصور التي بحوزته، إلا شخص واحد، وبينما نحن في انتظاره كي يعطي ما لديه من صور، قلت في نفسي، لا تعولوا عليه، هو لا يحب أن يعطي، يحب أن يأخذ.

في بداية نشأة الطفل، يحاول الأبوين -بشتى الطرق- تعليم طفلهما كيف يأخذ، كيف يستحوذ على الأشياء، كيف يمتنع عن العطاء عندما يريد أحدهم أخذ حلوياته أو لعبته، فهو في سنينه الأولى لا يفرق بين ما هو ملكٌ له وما هو ملكٌ لغيره، وقد يعطي ما لديه لأي طفل أو شخص آخر يطلبه ذلك، ومع الأيام تنمو لديه خصلة الاستحواذ والأخذ. يكبر وتكبر الحياة في نظره ويفهم أكثر، ويبدأ بالتعرف على القيم المستندة إلى كتاب رب العالمين، يبدأ يعرف معنى الصدقة والعطاء وحب الآخرين، يحاول أن يعيد التوازن إلى حياته ويساعده في ذلك أبويه ومعلمه في المدرسة وشيخه في المسجد واليوتيوب، حتى يحصل التوازن في حياته، وتصبح حياته شيء من أخذ وشيء من عطاء.

إن لم يحدث ذلك التوازن، أصبح هنالك خلل خطير في شخصيته، أصبح إلى الأنانية أقرب، سلوك الأخذ مهم كي ينجو الفرد، أما سلوك العطاء فهو أهم كي ينجو المجتمع بأكمله، فكيف لمجتمع أن يزدهر إن تحلى جميع أفراده بالأنانية وإرادة الأخذ فقط، كيف لحياة أن تنمو في مجتمع كذاك، صعب أن أتخيل وتتخيل معي أن نعيش في مجتمع كلُ من فيه يريد أن يأخذ من الآخر ولا يحب أن يعطي له.

بخصوص المال فهو بالطبع العنصر الأجل ظُهوراً لكل من رجحت عنده كفة الأخذ، تجده حريصاً على المال وإن بدا غير ذلك، قد يبدو كريماً عند من لم يعاشره ويصاحبه، قد يريد بكرمه ذلك أخذ شيء أكبر، المدح مثلاً أو العلو في الشأن في نظر المجتمع

لقد وضع الرسول الكريم محمد الصادق الأمين (صلى الله عليه وسلم) معادلة توازنية بها يصلح أمر الدنيا والآخرة، ألا وهي (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) نعم فالحب هو المبتدأ والعطاء هو الخبر، فأنت لن تعطي إلا إن أحببت ذلك، أحببت الخير لأخيك كما تحبه لنفسك، مصلحة متبادلة وتوازن يضمن استمرارية الحياة. لكن ما يجعل الحياة أجمل والعيش فيها ألطف هو أن تنتشر ثقافة العطاء، أولئك الذين غلبت لديهم كفة العطاء هم من يحببونا في الحياة ويجعلون الحياة أجمل، من يقنعونا كل يوم بالبقاء أكثر فيها وأن الدنيا لازالت بخير، ليس شرطاً أن يكون العطاء مالاً، لا أبداً، فالمال يأتي في آخر القائمة، الكلمة الطيبة، الابتسامة، الوقت، الجهد البدني، أو حتى الصورة الرقمية التي يشارك بها في مجموعة في الواتساب.

دعوني أعود إلى صديقي العزيز، هو دائماً يشكو من الناس لأنهم لا يبتسمون، من البائع في بقالته والتاجر في دكانه، ما الذي سيخسرونه من عدم مقابلة الناس بوجه طلق وابتسامة صادقة، هكذا يخبرني دائماً، لكن المشكلة التي تحيرني، أنه هو بنفسه لا يبتسم، وجهه عابسٌ غالباً، لا تظهر على محياه الابتسامة إلا بصعوبة، ربما أن السر في ذلك أن دفة الأخذ في ميزانه أثقل من دفة العطاء، حتى في الابتسامة، يريد أن يتلقى الابتسامات أكثر من أن يبثها للآخرين.

أما بخصوص المال فهو بالطبع العنصر الأجل ظُهوراً لكل من رجحت عنده كفة الأخذ، تجده حريصاً على المال وإن بدا غير ذلك، قد يبدو كريماً عند من لم يعاشره ويصاحبه، قد يريد بكرمه ذلك أخذ شيء أكبر، المدح مثلاً أو العلو في الشأن في نظر المجتمع، هنالك شيء آخر يستحوذ على تفكيره يريد أن يأخذه من الآخرين ومن المجتمع، لذلك فالمقربين منه يعرفونه على حقيقته، يعرفون كرمه المصطنع وعطاءه المفتعل، يبقى معروفاً لديهم حتى وإن أصدر الشيكات ودعم الجمعيات.

لقد أدرك مفكرو الغرب أن السعادة الحقيقية تكمن في العطاء، فألف بعضهم الكتب في ذلك، وأورد البعض الآخر هذا الأمر في الكثير من المنشورات

لا أنسى ذلك الموقف الذي حدث لي مع ذلك المتسول الكريم عند بوابة الجامع، في يومٍ ما، زرته في غرفته البسيطة، وكان قد تحصل في تلك الليلة على برتقالتين من أحد المحلات المجاورة، ففرح بقدومي وقدم لي برتقاله منهما، حاولت أن أعتذر لكنه أصر أن نأكلهما سوية، لمست في إصراره كرمه الأصيل -وإن كان فقيراً- لقد كانت روحه معطاءه، تعطي بصدق وليس في ذلك تكلف أو رياء، لقد أعطى نصف ما لديه، نصف ماله في تلك الليلة.

لقد أدرك مفكرو الغرب أن السعادة الحقيقية تكمن في العطاء، فألف بعضهم الكتب في ذلك، وأورد البعض الآخر هذا الأمر في الكثير من المنشورات التي ذاع صيتها وانتشر اسمها في العالم، ونحن -معشر المسلمين- أولى بأن ننشر هذا الفكر ونخبر به العالم، فهو ما نتعلمه من كتاب رب العالمين، ومن سيرة النبي الكريم الذي عاش حياته عطاءً وبذلاً وحباً لأمته، ويوم القيامة يتضرع لربه وينادي "أمتي أمتي" صلى الله عليه وسلم، صاحب القلب الكريم والروح العظيمة.