في فردوس الأصدقاء!

blogs أصدقاء

أيها الأصدقاء إنّ الحياة طيبة وفيها سعة ما دامت قلوبنا تنبض بحبكم، أمثالكم يا رفاق يجعلوننا نرى قبس الأنوار في أحلك الظلمات، والحب في الكراهية، والكثرة في القلة، والجمال في القبح.. وإن بكينا فأولى والله أن نبكي على بعدكم.. قربكم تفاريحُ لأوتار مشاعرنا.. ومجالستكم سجداتٌ تُحيي بنا أمالاً قد غابت عنّا، ونفحات أرواح مطمئنة تخفف من روعات قلوبنا …لا أدري يا أصدقاء أي وصف يليق بكم، ولكن أجلّ ما يشرح كلمة الصديق هي مشاعرنا تجاهكم، فقد اتخذتم قلوبنا سكنًا لكم، تأوون إليه كلما أوجعتكم الدنيا، وكلما نزل بنا نازلٌ نراكم حولنا تضمدون جراحاتنا وأحزاننا فيزيد ذلك من حبنا لكم.

وفهماً للطبيعة… الفناء صورٌ من صور الحياة، ولولا أنّ الفناء موجود لما سميّت الحياة حياةً لأنّه يمسّ وجودنا.. وما أوجع فقد الأصدقاء حيثُ كان القلب محلّهم ومأواهم وقد اختزنوا فينا ما يشبههم ثم يكون الفناء إغلاقاً لذلك النور الذي أوقدوه بأرواحهم فترى معانيهم لم تعد تنعكس عليك بل فيك، وكأنّ الدم هو المعنى فيحمله القلب على إخراج ذلك المعنى فلا يستطيع، وتبقى روائحهم تعطر أنفاسك، وكلامهم قد نقش على قلبك، فما تلبث أن ترى خيالاتهم في هذه الحياة حتى يهتزّ قلبك شوقاّ لتذكرك لهم وهم فيك، ثم تبتسم تلك الابتسامة المتألمة فتهطل من عينيك قطرات تُحيي اجتذاب وجنتيك، وكذا قلنا وقالوا أنّ الشوق للمحب كالنار.. كلما ابتعد عن الأصل أحس بحرقها ولهيبها، فكما تحتاج النار لجهد في الإشعال فكذلك المحب يحتاج وقتاً للتكوين..

والبعد صورٌ من أصوار الفناء بل هو الفناء.. حيث أنّ القلب يحتاجُ بين فينة وأخرى أمداداّ وشعورا بالمحبة، فإن انقطع ذلك الشعور يصبح المعنى كالبركان لا يسري شيء في ظاهره ولكن يغلي باطنه غليانًأ، ولما يتسنى للشخص رؤية من يحب يتفجر البركان أنهاراً باردة تسري في جنبات قلوبنا وكأن الدم ينقلب ماءّ. وكما قال الرافعيّ في كتابه السحاب الأحمر: " وكلّ ما فيه الحبّ فهو وحده الحياة ولو كان صغيراً لا خطر له.. وفي الحب يتعلم القلب كيف يتألم بالمعاني التي يجردها من أشخاصها المحبوبة وكانت كامنة فيهم".

إن بكينا فأولى والله أن نبكي على بعدكم.. قربكم تفاريحُ لأوتار مشاعرنا.. ومجالستكم سجداتٌ تُحيي بنا أمالاً قد غابت عنّا، ونفحات أرواح مطمئنة تخفف من روعات قلوبنا …لا أدري يا أصدقاء أي وصف يليق بكم

أرسل لي صديق "جزءٌ من شعوري بالغربة هو عدم رؤيتي لك بالجوار" فأخذني التفكير بعيداّ وقريباّ حتى استقرّ في نفسي معنىً كنت أطلبه، فرددتها عليه: "يا صديقي وماهي الرؤية! أهي بالشعور أم بالنظر! إننّا قد نعبّر عن مشاعرنا بما يفرّغ طاقة المعنى فنرتاح قليلاً ولكن ما نلبث حتى تُحرقنا تلك الطاقة مرةً أخرى! وقد ننسى ونتناسى مشاعرنا خوفاً من لمس تلك النار! وبالرؤية تكون تلك النار برداً وسلاماً على قلوبنا، فيهطل الدمعُ غزيراً وعزيزاً، و نتمتعُ بلحظات فردوسية بقربكم يا صديقي وما عرفنا فردوساً، وما الرؤيةُ إلا كالجمر".

يقول جبران خليل جبران: "وليكن أفضل ما عندك لصديقك، فإن كان يجدر به أيضا أن تظهر له مدّها؛ لأنه ماذا ترجو من الصديق الذي تسعى إليه لتقضي معه ساعاتك المعدودة في هذا الوجود؟.. فاسع بالأحرى إلى الصديق الذي يحيي أيامك ولياليك؛ لأن له وحده قد أعطي أن يكمل حاجاتك، لا لفراغك ويبوستك".

وأختم بأبيات للشاعر شعيب بن الحسن الأندلسي التلمساني:

تحيا بكُم كل أرض تنزلونَ بها.. كأنَّكُم بقاع الأرض أمطار
وتشتهي العين فيكُم منظراً حسنا.. كأنَّكُم في عيون الناس أزهارُ
ونورُكُم يهتدي الساري لرؤيتهِ.. كأنّكُم في ظلام الليل أقمارُ
لا أوحشَ اللَه ربعا من زيارتكُم.. يا من لهم في الحشا والقلب تذكارُ

وأقول أنّ الأصدقاء شفاء، الأصدقاء حياة، الأصدقاء مركبٌ يرفض أن أغرق.