شعار قسم مدونات

حقيقة الحراك الاجتماعي بريف المغرب

blogs - مظاهرة في المغرب
ردا على ما جاء في بلاغ أحزاب الأغلبية الحكومية بخصوص الحراك الاجتماعي بمنطقة الريف المغربي، خاضت ساكنة هذه المنطقة إضرابا عاما، يوم الخميس 18 مايو، حيث أغلقت جميع المحلات و المركبات التجارية أبوابها طوال اليوم، الذي اختُتم بمسيرة ضخمة جابت شوارع مدينة الحسيمة، وقد شارك فيها مئات الآلاف من السكان المنتمين لجميع مناطق الريف. إذ عبر هؤلاء المحتجون بطريقة حضارية وسلمية عن رفضهم الاتهام الذي وجهته إليهم الأغلبية الحكومية كونهم دعاة تخريب وانفصال توجههم أجندات خارجية.
ما الذي حدث إذن حتى توجه أحزاب الأغلبية الحكومية تهمة الانفصال للمحتجين بالريف؟ قبل أن نجيب عن هذا السؤال نحتاج بداية أن نشرح ماذا نقصد بالريف المغربي، حتى نضعه في الصورة، ونجلي اللبس الحاصل عند البعض، خاصة وأن الريف المغربي لا علاقة له بالمعنى اللغوي لكلمة الريف.

عندما نقول الريف المغربي فإننا نقصد تلك المنطقة الممتدة من مضيق جبل طارق شرقا إلى حدود الجزائر غربا، بعدد سكان يتجاوز 3 ملايين نسمة، غير أن منطقة الريف ارتبطت في ذهن المغاربة أساسا بمدينتي الناظور والحسيمة وبعض المدن الصغيرة الأخرى كبني أنصار، أجدير، رأس الماء، تارجيست، الدريوش… وأيضا مجموعة من المناطق القروية المجاورة. أغلب السكان يتكلمون لغتهم المحلية الأمازيغية (تريفيت).

أما بالعودة لسؤالنا، فالذي وقع هو كون هذه المنطقة تعتبر واحدة من أكثر مناطق المغرب تهميشا وإقصاء بمعدل بطالة مرتفع، وبافتقار شبه تام للمرافق العمومية الأساسية، وهو الإقصاء الذي يعتبره السكان ممنهجا ومقصودا، إذ يربطونه بالعداء التاريخي للدولة المغربية تجاه هذه المنطقة، وهنا نقصد ما عُرف بـ"انتفاضة الريف" 1958 /1959 التي اندلعت سنتين بعد استقلال المغرب ودامت لـ 157 يوما، وهي الانتفاضة التي كانت نتيجة لخيبة الأمل التي مني بها الريفيون على إثر ما آل إليه وضع المغرب بعد الاستقلال و الإهمال الذي تعرضوا من قبل الدولة رغم دورهم الجوهري في حصول المغرب على استقلاله.

يجب على الدولة المغربية أن تفهم أن الحل في منطقة الريف وغيرها من مناطق المغرب مرتبط بمقاربة تنموية جدية، أما اعتماد المقاربة الأمنية ومقاربة تلفيق التهم سيتجه بهذا الوطن نحو الهاوية.

لذلك ظلت العلاقة متشنجة بين الدولة والريف على طول فترة حكم الملك المرحوم الحسن الثاني، ورغم أن محمد السادس وبمجرد توليه الحكم قام بزيارات عديدة للمنطقة، حاول من خلالها إعادة بعث الحياة في هذه العلاقة بإعطائه الانطلاقة لمجموعة من المشاريع التنموية هناك، وهو ما استقبله السكان بالترحيب، حتى إنهم خرجوا بالآلاف لاستقبال الملك محتضنين إياه ومؤكدين على أن صفحة الماضي قد طويت.. قلت رغم كل ذلك إلا أن العلاقة سرعان ما عادت لوضعية التشنج بحكم أن جل المشاريع لم تر النور، وأيضا بحكم الإهمال المطلق الذي تعرض له السكان بعد كارثة زلزال 2004، وهو الزلزال الذي ما زال السكان يعانون عواقبه ليومنا هذا.

بعد كل هذه السنوات لم يتغير شيء، ظلت المنطقة مهمشة، وهو الأمر الذي ما كان له أن يستمر خاصة بعد حادثة محسن فكري، بائع السمك الذي مات مطحونا داخل حاوية شاحنة مخصصة لنقل الأزبال.. لقد كان مقتل محسن فكري مجرد نقطة أفاضت الكأس، وأخرجت الآلاف للاحتجاج السلمي بالشوارع. وبدل أن تواجه الدولة ذلك بالمشاريع التنموية المستعجلة والبحث عن السبل لتقليص أعداد العاطلين ،قامت بتزويد المنطقة بالآلاف من رجال الأمن ناهجة مقاربتها الأمنية وكأنها المقاربة الوحيدة التي تجيدها.

يجب على الدولة المغربية أن تفهم أن الحل في منطقة الريف وغيرها من مناطق المغرب مرتبط بمقاربة تنموية جدية، أما اعتماد المقاربة الأمنية ومقاربة تلفيق التهم سيتجه بهذا الوطن نحو الهاوية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.