الثقافة العربية تحتضر

blogs - arabic writing

الثقافة هي مجموعة من الأفكار والمعتقدات والعادات والقيم التي يتعارف عليها ويشترك فيها أفراد مجتمع ما، والتي تميز هذا المجتمع عن بقية المجتمعات. ويمكننا القول أن الثقافة مظلة يندرج تحتها العادات والتقاليد والأخلاق والقيم واللغة والقانون والسياسة والاقتصاد.

الثقافة العربية كباقي الثقافات لها قيمها التي تميزها عن غيرها. فهي زاخرة بالعديد من القيم الثقافية مثل الكرم والكرامة والمروءة والشهامة والنخوة والشجاعة.. إلخ، التي توارثناها جيلا بعد جيل. فكانت هذه القيم موجودة في ثقافة العرب حتى قبل الاسلام، فعلى سبيل المثال_ أبرمت قبيلة قريش حلفا أسمته حلف الفضول، حيث تعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.

كان الأحرى بنا أن نصدر ثقافتنا للآخرين وإذا لم نستطع القيام بهذه المهمة فعلى الأقل نحافظ عليها فالحفاظ عليها حفاظ على الهُوية، ولكن للأسف لم نستطع أن نحافظ حتى على لغتنا العربية الفصحى.

وشهد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحلف وهو في الخامسة عشر من عمره وأثنى عليه في الإسلام وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أحب لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت) .وجاء الإسلام ليعزز هذه القيم الثقافية فحث على طاعة الوالدين وإكرام الضيف وحسن الجوار ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف ورحمة الصغير واحترام الكبير وتقدير المرأة والرفق بالحيوان والتعايش والتسامح والتصالح. وبالرغم من أنه كانت هنالك بعض القيم الثقافية غير المرغوب فيها مثل العصبية والحمية حمية الجاهلية إلا أن الإسلام صححها فأصبحت، مثلاً_ الحمية حمية للدين.

ولكن للأسف ما دعاني لأن أصف الثقافة العربية بالاحتضار_ رغم قساوة الكلمة لي وللسواد الأعظم من أبناء ثقافتي_ هو ما أعايشه وأشاهده اليوم من تصدع في النسيج الثقافي العربي، فلم يعد الجار يأمن جاره ولا المرأة تُحترم ولا الكبير يُوقر ولا المظلوم يُنصر بل ربما أصبح المظلوم ظالماً والظالم مظلوماً!

ولا العالم يُبجل ولا صعاليك اليوم مثل صعاليك الأمس ولا حضور للنخوة العربية في أغلب المواقف التي تتطلب نخوة ولم نعد نرى الكثير من المروءة والشهامة، كل هذا سببه الانفتاح الثقافي حين أصبحنا نستورد ثقافات الآخرين ونستهلكها مما أثر على ثقافتنا العربية، ولا ضير أن نقبل بالتعدد الثقافي من أجل فهم الآخرين والتعايش معهم، لكن لا يجب أن يكون ذلك على حساب قيمنا الثقافية.

كان الأحرى بنا أن نصدر ثقافتنا للآخرين وإذا لم نستطع القيام بهذه المهمة فعلى الأقل نحافظ عليها فالحفاظ عليها حفاظ على الهُوية، ولكن للأسف لم نستطع أن نحافظ حتى على لغتنا العربية الفصحى، فأصبحت الفصحى لغة جديدة والعامية صارت اللغة الأم، بل اتسعت الفجوة وقد تصل أزمة الثقافة العربية إلى مرحلة اللاتعايش واللاتصالح واللاتسامح فيما بيننا. فماذا بقي لنا من ثقافتنا العربية غير الهيمنة والتعالي والأنا، ويتمثل ذلك جليا في قول الشاعر عمرو بن كلثوم:

الثقافة العربية كباقي الثقافات لها قيمها التي تميزها عن غيرها. فهي زاخرة بالعديد من القيم الثقافية مثل الكرم والكرامة والمروءة والشهامة والنخوة والشجاعة.

وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا
أَلاَ أَبْلِـغْ بَنِي الطَّمَّـاحِ عَنَّـا وَدُعْمِيَّـا فَكَيْفَ وَجَدْتُمُوْنَـا
إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفـاً أَبَيْنَـا أَنْ نُقِـرَّ الـذُّلَّ فِيْنَـا

مَـلأْنَا البَـرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّـا وَظَهرَ البَحْـرِ نَمْلَـؤُهُ سَفِيْنَـا
إذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا

فقد صرنا نتعالى على بعضنا البعض، فيفخر البعض بانتمائه إلى تيار أو فصيل أو جماعة أو قبيلة معينة، ويسخر من انتماء غيره إلى جهة معينة. وأستطيع أن أخلص إلى أنه لا يمكن للأمة العربية أن تنهض إلا بتأسيس مشروع ثقافي عربي موحد يعيد للأمة مكانتها وهيبتها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: بما أن اللغة ثقافة والثقافة لا يمكنها أن تزدهر بمنأى عن اللغة هل أستطيع أن أقول أيضا أن اللغة العربية تحتضر؟ أو بالأحرى الأمة العربية أمة تحتضر؟