إلى أيّ "نجمٍ".. لا.. بل "مسخٍ" تحوّلنا؟

blogs- الفيسبوك

أطلقت الشاشة الصغيرة نجوماً كثر نحو فضاء الشهرة بعد مسيرة طويلة من العطاء وجهد شخصي مضنٍ من قبلهم. في المقلب الآخر من التلفزيون، مشاهدون تماهوا أحياناً كثيرة مع هؤلاء النجوم وحاولوا تقليدهم في حياتهم الخاصة إنما ضمن نطاق محدود.

لكن ما إن وصلت الى أيدي البشر تلك الشاشات الصغيرة المتنقلة من هواتف ذكية ولوحات رقمية حتى انقلبت الأمور رأساً على عقب خصوصاً مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي من فايسبوك وانستغرام وتويتر وسناب شات وغيرها لتنقل عبرها البشرية نحو عالم افتراضي فرض نفسه بالقوة. 

عندما وطأت أقدام البشر أرض هذا العالم الجديد تغيّرت معادلات كثيرة في حياتهم إذ باتوا ينقلون إليه كل تفاصيل يومياتهم ليتحوّل واقعهم إلى مسلسل افتراضي طويل هم أبطاله، يساندهم في ذلك جماهير تشبههم وتتسابق وإياهم على أدوار البطولة الوهمية كما أنها تتعطش للثرثرة ونقل الأخبار. 

كم من أم وصلت إلى درجة من السخف جعلها توثق لحظة خروج ابنها من غرفة العمليات لتعرض صوره على أصدقائها الفايسبوكيين والإنستاغراميين علّها تتسوّل منهم بعض المشاعر الجياشة

ازداد نَهَم رواد التواصل الاجتماعي من رجال ونساء ومراهقين على النجومية مع اتساع رقعة العالم الافتراضي واتصالها بكل أقطار العالم، فارتموا في أحضان هذه المنصات كمن يشبع نقصاً سبّبته لهم الشاشة الصغيرة التي لم ترفع سوى أعداد قليلة إلى مصاف العالمية وتركت أكثرية مهمشة تلعب دور المتفرج الذي لا حول له. فجعلوا من أفراحهم وأحزانهم مواد للعرض على منصات التواصل الاجتماعي، تزوجوا وتطلقوا وسافروا ورقصوا كما أنهم أنجبوا الأطفال عليها. 

انهمرت اللايكات والتعليقات على كل ما يعرضونه فازداد غرورهم إلى درجة نسوا معها تحصين حدودهم وحماية حياتهم وخصوصياتهم. فتحوّلوا فيما تحولوا إلى نجوم إغراء سبق لهم أن غرفوا من هيفا ومارلين مونرو لسنوات ليفجروا افتراضياً ما استطاعوا من تقليد لهما وصل في أحيان كثيرة إلى درجة كبيرة من الابتذال. وكم تاه مع بعضهم مصطلح فاشينيستا بين الحقيقة وخيالهم الجامح، فاعتقدت كل من سوّلت لها نفسها أن تنسِّق قطعتين على جسدها مع عقد من البلاستيك أنها أصبحت فاشينيستا. 

حتى مشاعر الأمومة أضاعت البوصلة، فكم من أم وصلت إلى درجة من السخف جعلها توثق لحظة خروج ابنها من غرفة العمليات لتعرض صوره على أصدقائها الفايسبوكيين والإنستاغراميين علّها تتسوّل منهم بعض المشاعر الجياشة والكاذبة فيعظم حزنها في نظرها إلى درجة تنسيها مواكبة ابنها في لحظات ألمه وهو الغافل عما اقترفته والدته.  كي لا ننسى أيضاً ذلك الذي من وسط آلامه في غرفة المستشفى لم يجد صعوبة في التقاط سلفي والمصل والمرض خلفي. 

أي عالم من التمثيل بنينا لأنفسنا؟ لقد ابتعدنا كثيراً عن حقيقتنا. لا لسنا نجوماً سوى في قلوب أصدقائنا الحقيقيين وأحبائنا الأزليين. نحن أشخاص عاديون رمينا ثوبنا بعيداً ولبسنا رداءً ليس لنا

مقاييس كثيرة اختلطت ببعضها لتخلِّف هذا المسخ الذي أصبحناه على مواقع التواصل الاجتماعي. حسّنا الإنسانيّ ككل بات في خطر. تقع المصائب أمامنا فنتلهف لنشرها متناسين آلام من أصابتهم لأن جلّ ما يهمنا بات السكوب الذي سيجعلنا نجوماً وإن للحظات. إنه وحش من التصنع والزيف وُلد ونما في داخلنا. ما الذي اقترفناه بحق أنفسنا؟ في السابق كان النجوم العالميون يهربون من الباباراتزي الذين يطاردونهم خوفاً من أن يسلبوهم خصوصيتهم. واليوم أيضاً ورغم دخول معظمهم الى هذا العالم الافتراضي إلا أن كثيرين منهم امتنعوا عنه كما أن آخرين بدأوا يحذرونه فقرّروا التخلي عنه نهائياً بهدف حماية حياتهم الشخصية. أما البعض الآخر كمثال كيم كرداشيان نجمة تلفزيون الواقع، فقد باتوا يكتفون بنشر القليل جداً من صورهم الخاصة عليه. 

أي عالم من التمثيل بنينا لأنفسنا؟ لقد ابتعدنا كثيراً عن حقيقتنا. لا لسنا نجوماً سوى في قلوب أصدقائنا الحقيقيين وأحبائنا الأزليين. نحن أشخاص عاديون رمينا ثوبنا بعيداً ولبسنا رداءً ليس لنا. هذا المكوك الذي صعدنا فيه قد أقلّنا بعيدا جداً الى الفضاء الافتراضي لدرجة بات يستحيل علينا العودة الى أرض الواقع، الأرض التي نولد عليها ونحيا ونموت. إنه عالم لا يشبهنا سوى بالجنون…