شعار قسم مدونات

وَخْزُ الذكرى

مدونات - سوريا
أتذكرونَ ما قاله أبو أحمد في مسلسلِ "التغريبة الفلسطينية". المسلسل الذي أجمعَ المُشاهدونَ العرب على أنّه العملُ المتكاملُ الوحيد الذي صوّر لنا اللّجوء الفلسطينيّ ونكبةَ الفلسطينيين الروحية والجسدية. وهُم يرونَ وطنَهم يضيعُ منهم ولا يملكونَ إلى استرجاعِهِ سبيلا.

أبو أحمد خاطبَ زوجتهُ قائلاً:
"توخذيش كلّ الأغراض يا أم أحمد
خذي الشغلات المهمة.
يلاّ يابا يا حبيبي امشو قدامي
كلها يومين وبنرجع".

نحنُ أيضاً عشنا تغريبةً كهذه. خلالَ أسبوعٍ واحدٍ تمَّتْ لملمةُ ما يكفينا من ثيابٍ وأغراض لمدّة شهرينِ وحسْب. وفي محاولةٍ منّي لوضعِ المزيد من الثياب وممّا صنّفته تحتَ خانةِ المهم. وكما تحبُ كلّ فتاةٍ أنْ تستعرضَ ما لديها من ثيابٍ واكسسوار أمامَ الجميع. رَمَقني والدي حينها بنظرةٍ تدلُّ على عدمِ رِضَاه بما أفعلْ. أرفَقَها مباشرةً باعتراضِهِ الصّريح موبّخاً:
"مَن يشاهدْكِ وأنتِ تملئينها بكلّ هذه الأغراض سيظنّ أنّنا مسافرون بلا ععودة".
 

لم يكُن الوقتُ كافياً حتى لأودّعَ فيها مَن أُحبّ. أولئكَ الذينَ فقدتهم الآن. كم تمنيّتُ لو أنني بقيتُ للّحظاتٍ أطولَ معهم. كانَ الخوفُ مِن المجهولِ يدفعُنا للهربِ والنَّجاة بأرواحنا بعد أنِ اقتحمَ الجيشُ السوريّ مدينتَنا.

وهذا مَا حدثَ بالفِعل. تركنا خلفنا كلّ شيء. كَمَا كلّ السوريين الذينَ غادروا بلادَهم قَصْرا. تركنا كُتبنا وذكرياتنا. ألبوماتِ صورنا. هدايانا. أشياءَنا الصّغيرة والكبيرة. حملنا دمشقَ في قلبنا ووغادرنا. على أملِ العودة لها بعد شهرين أو ثلاثْ. لنجدَ أنفسُنا قد تجاوزنا العامَ الرابع في تسارعٍ زمنيّ مُتلاحق.

كلّ سوريّ رأى في العودةِ السريعةِ أملاً. قائلاً لأهلهِ وذويه بأنّهُ سيعودُ بعدَ شهرٍ وربّما شهرين أو حتى ثلاثْ. إلى أنْ تهدأَ الحرب. ولكنَّه لم يعُد والحربُ لم تهدأْ ولم تنتهِ. نحنُ لم نأخذْ أغراضَنا البسيطةَ كما يحلو للبعضِ تسميتُها. بلْ لملمنا جراحَنا ووضعناها في حقيبةِ سفرنا المُثقلة بالآه والنّدم والحسْرة.
لم يكُنِ الوقتُ كافياً لنودّعَ حاراتنا وأصدقاءنا وغُرَفِنا البسيطةَ الجميلة في آنْ.

كلُّ شيءٍ كانَ على عَجَل. وكأنّني أشعرُ الآن. أنَّ كلَّ زاويةٍ في المنزل تنتظرُنا بشوق. حتَّى الحيطان ربّما تعتبُ علينا لأنّنا تركناها كلَّ هذه المدة. ولأنّنا وعدْنا بأننا سنعود ولمْ نوفِ بوعدِنا. الحجارةُ والأبوابُ والمكتبات والشُرُفات. تشكو طولَ الغياب. ألبوماتُ صورنا. خزائِنُنا المحشُوَّة بالذكريات. الدُرَج المُقفلة والمُحمّلةُ بالرسائل ودفاتر المُلاحظات. كلُّها بقيتْ هناك واندثرتْ فيما بعد. لم يكُن الوقتُ كافياً حتى لأودّعَ فيها مَن أُحبّ. أولئكَ الذينَ فقدتهم الآن. كم تمنيّتُ لو أنني بقيتُ للّحظاتٍ أطولَ معهم. كانَ الخوفُ مِن المجهولِ يدفعُنا للهربِ والنَّجاة بأرواحنا بعد أنِ اقتحمَ الجيشُ السوريّ مدينتَنا.

رسائلُ قصيرة أرسلتُها على عَجَل. أخبرتُ فيها صديقاتي بقرارِ والديّ المُفاجئ بالسّفر. وبأنَّ الخوفَ من القَصْف والحِصار منعني من رؤيتهنّ. جاءتني رسائلهنَّ تِباعاً. وأنا في مطارِ دمشقَ الدوليّ. كلُّ واحدةٍ منهنَّ تُخبرني بأنَّها تنتظرني على أحرَّ من الجمْر. وتنهاني عنِ البقاء بعيداً وتُطمئنني أنَّ الشَّهرين الذيْنِ سأغيبُ فيهما سيمرّانِ بسرعة. وعندما أعودْ سيكونُ كلّ شيءٍ على ما يُرام.

في كلّ محاولةٍ مني للشّفاء من دمشق والكتابة إليها تجدُني أتراجع. أمتصُّ كلّ الخيباتْ. وأدلكُ ذاكرتي. آخذُ نَفَساً عميقا عُمقَ الغياب. أشعرُ بوَخزٍ مؤلمٍ وقبلَ أن أوشكَ على الاختناق. أتنّهدْ فما أكثرَ ما يغُصّ به القلب.

إحداهنَّ والمقربةُ منّي كثيراً أخبرتْني أنَّها لنْ تُقيم حفلَ زفافِها إلاَّ وأنا أولُ الحاضرينْ. لم تعلمْ أنَّ الرياحَ تجري بما لا تشتهي السُّفن. وبأنّها ستتزوج في حفلٍ عائليّ صغيرٍ جداً. وهي التي خططتْ وحلمت كما كلّ فتاةٍ أن تكونَ فرحتها كبيرة. لا تخلو من الأصدقاء والأحباب. تزوجتْ وأصبحَ لديها ثلاثُةُ أطفالٍ يحلمُون هُم كذلك كما أمهم وأبيهم. بالعودةِ إلى الوطن.

غادرت الطائرةُ ومعها مشاريعُ الأحلامِ الصَّغيرة والكبيرة. أيقنتُ ذلك وأنا أسمعُ المُضيفة وهي تعلنُ بمكبّر الصوت أنَّ موعدَ إقلاعَ الطائرةِ من مطار دمشقَ الدوليّ إلى الجزائر العاصمة قدْ حان. في كلّ محاولةٍ مني للشّفاء من دمشق والكتابة إليها تجدُني أتراجع. أمتصُّ كلّ الخيباتْ. وأدلكُ ذاكرتي. آخذُ نَفَساً عميقا عُمقَ الغياب. أشعرُ بوَخزٍ مؤلمٍ وقبلَ أن أوشكَ على الاختناق. أتنّهدْ فما أكثرَ ما يغُصّ به القلب.

وهكذا في ستٍ سنوات. وجدنا أنفسُنا متورطينَ في كوارثِ بلداننا البائسة. ننتظرُ بألم الدرجةَ التي ستتمادى فيها الحياة وهي تعبثُ بنا. بعد أنْ اقتلعتْ أحبابنا وأصدقاءنا وأوطاننا وبعد أنْ داسَتْ على ذكرياتنا وجعلتنا نرتدي حدادَ الفراق إلى الأبد.

يا تُرى. مَنْ سيرفعُ عنَّا ألمَ النَّكبة وقد طَفَتْ كلّ أوجاعنا على السّطح. مَنْ سَيُسارع في مواساةِ الآخر. نحن أم إخوتُنا الفلسطينيون ممَّن عانوا وعايَشُوا قبلنا ألمَ النكبة الحقيقيّ؟!