هجرة المثقفين بين ضياع حقوق الإنسان وفقدان الأمن

مدونات - العراق

تعد الهجرة مشكلة تعاني منها عدة دول وفي مقدمتها العراق وتعني الهجرة انتقال الموارد البشرية التي تمتلك المهارات التقنية والعلمية والمعرفة من بلادها إلى بلدان أخرى متقدمة، لأسباب عدة كالنزاعات المسلحة والحروب أو عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي وغير ذلك ويعد العراق البلد الأكثر تأثراً بهذه المشكلة في المنطقة بسبب استنزاف كفاءاته العلمية والفكرية أملاً في إيجاد سقفٍ آمن يبحث فيه المثقف وحتى الغير مثقف عن فرصة لتحقيق الذات وما تعرضت له هذه الكفاءات عبر سنوات طويلة قبل وبعد العام 2003 من عمليات الاغتيال والتهجير القسري والاختطاف يندرج في إطار التصفية الفكرية الجسدية في محاولة لإخلاء البلد من ثروته المتجددة رغم حاجته الماسة إليها فالقدرة على بناء اقتصاد ودولة عصرية قوية يعتمد بشكل أساسي على الكفاءات والخبرات العلمية.

حقوق الإنسان وحرية التعبير.. الصحفي س مثالاً
تُعتبر حقوقُ الإنسان حقوقاً مُتأصِّلةً في البشر جميعاً، ولو اختلف جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو دينهم أو أصلهم العرقي أو الوطنيّ أو أيّ أمرٍ آخر ومن حقّ الجميع أنْ يحصلَ على حقوقه بصفته إنساناً دون تمييز، وتُعدّ جميع هذه الحقوق وحدةً مترابطة لا تتجزّأ ويتّم ضمان حقوق الإنسان العالميّة والتّعبير عنها عبر القانون، ويُثبّت القانون الدّولي الخاص بحقوق الإنسان التزامات وواجبات على الحكومات تُلزمها بأنْ تعملَ بأساليب مُعيّنة أو لا تعمل أفعالَ مُعيّنة من أجل حماية وترسيخ حقوق الإنسان والحريّات المُتعلّقة بالأفراد والجماعات.
 

ي بغداد وبعض محافظات الوسط والجنوب عانت الكوادر الإعلامية تضييقاً شديداً من قبل السلطات المحليّة أثناء تغطيتها للاحتجاجات الشعبية الأخيرة ضد الفساد إذ استخدمت السلطات الأمنية قوّة مفرطة لا يُمكن أن تُستخدم ضد الصحفيين.

ويعد تدني مستويات حقوق الإنسان والأمن وحرية التعبير والصحافة من أبرز الأسباب التي دفعت الشباب العراقي للهجرة إلى خارج البلاد حيث ذكر تقرير للاتحاد الدولي للصحفيين صدر عام 2016 أن العراق يعد أخطر دول العالم على الصحفيين، إذ قُتل أكثر من 300 صحفي بين عام 1990 و2015 فيما بين التقرير ذاته أن السلطات الحكومية العراقية استمرت خلال الأعوام الماضية في تقييد حرية الصحافة في البلاد بأشكال متعددة ما بين استجواب واختطاف وإغلاق وسحب تراخيص لعدد من القنوات التلفزيونية والوكالات الإخبارية .

بينما أظهرت نتائج أبحاث أجراها فريق مرصد الحريات الصحفية العراقية للفترة الممتدة ما بين 3 مايو 2016 إلى 3 مايو 2017 عدداً كبيراً من الخروقات الحكومية ضد العاملين في مجال الإعلام في العراق وتهديدات تلاحق الصحفيين بالأعراف العشائرية من قبل بعض القبائل وعملية تضييق رهيبة تقوم بها الحكومات المحلية ضد الصحفيين والمدونين، وسجّل مرصد حسب تقريره للعام 2017 مقتل وإصابة 55 صحفياً ومساعداً إعلامياً مما يسجل انحداراً كبيراً يهدد العمل الصحفي وحريّة التعبير في بلاد ما بين النهرين.

ويضيف المرصد أن في بغداد وبعض محافظات الوسط والجنوب عانت الكوادر الإعلامية تضييقاً شديداً من قبل السلطات المحليّة أثناء تغطيتها للاحتجاجات الشعبية الأخيرة ضد الفساد إذ استخدمت السلطات الأمنية قوّة مفرطة لا يُمكن أن تُستخدم ضد الصحفيين، ولم تكتفِ السلطات بتقييد حرية الصحفيين وعدم السماح لهم بالحركة ونقل الأحداث فحسب بل عمدت إلى احتجاز بعضهم وتحطيم أجهزتهم ومصادرة سيارات البثّ المباشر وفرضت رقابة مشددة على حركتهم بالإضافة إلى عمليات تضييق رهيبة تعرض لها صحفيون ميدانيون، ناهيك عن عمليات التهديد والخطف التي مارستها ميلشيات متشددة ضد عدد من الصحفيين والنشطاء المدنيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والتعبير.
 

مثال على هذا، صحفي عامل في أحد المؤسسات الصحفية بالعراق -رفض الكشف عن اسمه- ذكر أنه خلال تأديته لواجبه الصحفي في أحد الأيام من العام 2015 توجه إلى أحد المدن لتغطية حدث يتمثل بتمكن القوات الأمنية العراقية من استعادة سيطرتها على المدينة من قبضة تنظيم داعش إلا أنه تفاجئ وبعد إعلان تحرير المدينة بالكامل بقيام مجاميع مسلحة تابعة لما يسمى بالحشد الشعبي بعمليات تخريب تمثلت بتفجير منازل المدنيين والمحال التجارية وسرقة محتوياتها من دون إي إجراء رادع من قبل القوات الأمنية العراقية لإيقاف هذه الانتهاكات والممارسات، ويضيف الصحفي أنه قام خفية بتوثيق هذه الحالات عبر التقاط عدد من الصور الفوتوغرافية فقط خوفاً من اعتقاله أو اختطافه من قبل هؤلاء المسلحين وبالفعل تمكن من نشر هذه الصور عبر عدد من الوكالات الإخبارية الإلكترونية ونقل ما شاهده عبر اتصالات هاتفية لعدد من القنوات الفضائية.
 

وبعد مرور أقل من 24 ساعة تلقى تهديداً غير مباشرة من قبل أحد الفصائل المسلحة المتواجدة في نفس المدينة بالإضافة إلى تلقيه تحذيراً من أحد الزملاء الإعلاميين بضرورة ترك المدينة فوراً وعدم العودة إليها مرة أخرى، وهذا ما قام به بالفعل فبعد أسبوع أستقل طائرة وتوجه إلى أحد البلدان بحثاً عن أمل جديد بإيجاد الأمن والعمل .
 

بعيداُ عن السياسة والإعلام حمود أنموذجاً
يعد المدرب الدولي عدنان حمد من أبرز مدربي الجيل الجديد في الكرة العراقية الحديثة والعربية ابن مدينة سامراء من مواليد شهر شباط فبراير عام 1961 حاصل على البكالوريوس في التربية الرياضية من جامعة بغداد مثل عدد من الأندية المحلية والمنتخبات الوطنية كلاعب، وأشرف على تدريب عدد من الأندية المحلية والعربية بالإضافة إلى قيادته للمنتخبات الوطنية العراقية لفئات متعددة حقق خلالها عدد كبير من الإنجازات بالإضافة إلى المنتخب الأردني الوطني لكرة القدم.
 

الكثير من العوامل دفعت خيرة الأكاديميين والمثقفين الشباب العراقيين إلى الهجرة إلى بلدان متعددة بحثاً عن الأمن والحرية ومستوى اقتصادي ومعيشي أفضل، خسرهم بلاد الرافدين وتوزعوا بين بلدان متعددة.

وعلى الرغم من جهوده في خدمة الرياضة العراقية وتحقيقه لإنجازات متعددة إلا أنه تم الإعلان عن حرمانه من التدريب في العراق مدى الحياة لإطلاقه تصريحات سياسية ضد الحكومة والعملية السياسية، وفي مؤتمر صحافي عام 2010 في بغداد قال الناطق باسم الهيئة المؤقتة لإدارة الشؤون الرياضية العراق جزائر السهلاني إن قرار حرمان حمود جاء على خلفية تصريحاته التي تهجم فيها على العملية السياسية في العراق والحكومة العراقية حيث أكد عدنان حمد عقب خسارة المنتخب العراقي في مباراته الحاسمة أمام نظيره القطري أن الوجود الأميركي، وتدخل الحكومة العراقية في شؤون الرياضة هو السبب في هبوط مستوى الكرة العراقية، وأشار إلى أن الحكومة العراقية التي جاءت مع القوات الأميركية جلبت التهجير والقتل للشعب العراقي مما دفع حمد إلى عدم التفكير بالعودة إلى العراق رغم إعلانه مراراً وتكراراً حبه للوطن ورغبته في خدمة البلاد كروياً.
 

بعيداً عن حمود واعتماداً على التسامح والأمن وحقوق الإنسان والرفاهية أصدر معهد تقييم السمعة عام 2016 تقريره الخاص بترتيب الدول في هذا المضمار تضمن 16 دولة بينها أربع عربية وأربع إسلامية اعتبرت ذات سمعة سيئة أو ضعيفة على مقياس من واحد إلى 100، وحلت السويد وكندا وسويسرا واستراليا والنرويج في مقدمة الدول من حيث حسن السمعة على المستويات كافة وجاء العراق متذيل الترتيب بعده إيران وباكستان والسعودية.
 

أمور متعددة بالإضافة إلى الحرب وعدم الاستقرار الأمني دفعت خيرة الأكاديميين والمثقفين الشباب العراقيين إلى الهجرة إلى بلدان متعددة بحثاً عن الأمن والحرية ومستوى اقتصادي ومعيشي أفضل، خسرهم بلاد الرافدين وتوزعوا بين بلدان متعددة أبرزها الدول المحاذية للعراق كالأردن وتركيا بالإضافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ودول أوروبا وأستراليا وأمريكا لتقدم هذه الأدمغة والكفاءات العراقية خدماتها للدول الأخرى بمختلف المجالات مقابل أشياء بسيطة على رأسها الخبز والحرية والعيش بدولة مدنية.