من يصالح؟

blogs - قرآن
في فقه القصاص، يكون العقاب أمرا جائزا ومشروعا إلاّ أن العفو يبقى السبيل الأرشد والأقوم و"الأقرب للتقوى" كما جاء في القرآن الكريم.. ولكن يشترط دائما في كل عفو أن يصدر من المتضرر أو من الذين يخلفونه إذا ما غيبه موت أو أفقده جنون أو ما شابه مداركه، فلا بد أن يكون العفو نابعا عن إرادة سليمة واعية لا تشوبها شائبة الإكراه أو التهديد أو الغلط أو التغرير.. كما أن العفو لا يستقيم إلا عند المقدرة فأي مغزى من عفو مأتاه قهر أو عجز أو غلبة على الأمر؟ 
 
وفي ظلّ عدم توفر هذه الشروط فإن العفو يتحول من فضيلة تعبر عن أقصى غايات النبل والتعفف البشري إلى ضرب من ضروب إزهاق الحق وطمس معالمه. وجب أن نأخذ هذا المعطى بعين الاعتبار ونحن نتحدث عن مشروع قانون المصالحة الاقتصادية الذي تصر رئاسة الجمهورية والحكومة التونسية على تمريره رغم الرفض الشعبي لهذا المشروع والذي جسدته العديد من التجمعات والمسيرات المنادية بالتخلي عن مسار المصالحة.

أولا علينا أن نطرح سؤالا مهما: هل من حق رئاسة الجمهورية أو الحكومة أن تتقدم بمشروع كهذا؟
دستوريا وقانونيا، لا يوجد أي مانع يحول دون تقديم مشروع قانون -أيّا كان موضوعه- لمجلس نواب الشعب للنظر فيه والمصادقة عليه لاحقا ويبقى الفصل فيه -إن تتطلب الأمر ذلك- لهيئة رقابة دستورية القوانين.

على السلطة السياسية أن تفكر في حلول أخرى بإمكانها أن تقنع بها الشعب بفكرة المصالحة، فالمصلحة الاقتصادية وتشجيع الاستثما،  كلها مبررات لا تنطلي على المتمسكين بمبدأ المحاسبة والعقاب.

أمّا على المستوى الأخلاقي، فقطعا أن مثل هذه المبادرة التشريعية تفتقر لأدنى مشروعية أخلاقية، ذلك أن رئاسة الجمهورية بالأساس وضعت نفسها موضع الضحية، فأملت شروطها على الجناة وسمحت لنفسها بأن تقرر مصيرهم في حين أنها لم يلحقها منهم أي ضرر، بل على نقيض ذلك تماما، إذ لطالما تقاطعت مصالحها مع مصالحهم، وخير برهان يساق في هذا السياق الدعم المادّي والمالي الذي لقيه رئيس الجمهورية الحالي وحزبه من العديد من رجال الأعمال -الذين يستهدفهم مشروع قانون المصالحة- إبان الحملة الانتخابية، لتكون بذلك المصالحة عبارة عن ردّ للجميل وعن عربون مودة وعرفان، وهذا ما يسقط عنها كل طابع أخلاقي يفترضه جوهرها الأصلي القائم على جبر الضرر ورضاء الضحية.

الأجدر إذن أن يكون الشعب هو صاحب المبادرة لأنه وحده الذي تضرر من نهب أمواله وسرقتها طيلة عقود وعانى ويعاني من جراء ذلك ويلات الفقر ورقة الحال والبطالة والتهميش والظلم.. للشعب وحده أن يفرض شروطه على الجناة حتى يتمتعوا بعفوه وإن أبى ذلك فلا خيار سوى تسليط العقاب عليهم بالقسوة التي يريدها الشعب ويسمح بها القانون، فمشروع قانون المصالحة يحتاج إجماعا شعبيا حتى يتسم بنوع من الأخلاقوية، ويبدو أن هذا الإجماع بعيد المنال في ظل التحركات الرافضة للمشروع والتي باتت تتوسع يوما بعد يوم وتأخذ نسقا تصاعديا تعاضدها في ذلك تحركات أخرى في الجنوب التونسي تطالب بالحق في الثروات الطبيعية التي لا يصل الشعب منها إلا الفتات.

سنكون إزاء مصالحة عادلة مشروعة قانونا وأخلاقا طالما أن من صالح هو من تضرر وأن دور السلطة لم يتعد الوساطة بين المتضررين والجناة دون أن تكون طرفا في النزاع.

على السلطة السياسية إذن أن تفكر في حلول أخرى بإمكانها أن تقنع بها الشعب بفكرة المصالحة، فالمصلحة الاقتصادية ودوران عجلة الاقتصاد وتشجيع الاستثمار وتحقيق نسب النمو المرجوة كلها مبررات لا تنطلي على المتمسكين بمبدأ المحاسبة والعقاب ولا تثنيهم عن مواصلة الطريق نحو التصدي لمشروع قانون المصالحة وإسقاطه، في المقابل يظل بالإمكان إقناع هؤلاء وحثهم على تغيير موقفهم لو عملت السلطة على تحقيق أحلامهم بنفس الحرص الذي تعمل به اليوم على تحقيق أحلام الفاسدين واللصوص، فتوفير مواطن الشغل لمئات الآلاف من المعطلين عن العمل والتقسيم العادل للثروات بين الجهات وتهيئة العديد من المناطق التي تفتقد لأبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء والتخفيض من الأسعار وإصلاح المرافق العمومية ومكافحة الفساد والقضاء عليه كلها حلول تدفع نحو قبول المصالحة والعفو.

حينئذ سنكون إزاء مصالحة عادلة مشروعة قانونا وأخلاقا طالما أن من صالح هو من تضرر وأن دور السلطة لم يتعد الوساطة بين المتضررين والجناة دون أن تكون طرفا في النزاع.  فالمطلوب إذن تأجيل المصالحة إلى حين.. والتركيز على إصلاح ما أفسده المفسدون.. وذاك عين ما نحتاجه اليوم.