من النكبة الأولى.. نقرأ الاستراتيجية القادمة

مدونات - سايكس بيكو

في البداية نورد تأكيدات لا بد منها، من المفيد أن نقرأ الأحداث من نواحي مختلفة وأن نفرق بين من يصنع الحدث وبين من يتفاعل معها قبولا ورفضا وتحليلا. ومن المفيد جدا أن نبحث ما وراء الحدث من وجهة نظر صانعيه ونستقرأ أفكارهم من خلال الوقائع التي تتبع الحدث.. ﻻ أن نسقط على الحدث وجهة نظرنا وقناعتنا فيه ونفسره بحسب رغباتنا. ومن المفيد أكثر أن نعمل على مراجعة وتقييم مستمر لقراءتنا ﻷحداث التأريخ عموما والتاريخ الحديث والمعاصر خصوصا بدلا من الذهاب الى إقناع الأجيال القادمة بما اقتنعنا به سابقا حتى يكون النقد والتقييم مستمر.

الحدث قبل نحو مائة عام وتحديدا في 17 من شهر مايو آيار من العام 1916 م وأثناء الحرب العالمية الأولى كانت اتفاقية "سيكس- بيكو" التي بات من الواضح أنها لم تكن مجرد اتفاق ثنائي بين دولتين لتقاسم تركة الرجل المريض الذي أطلق حينها على الدولة العثمانية والذي معناه تقاسم النفوذ على المنطقة العربي -كما يتصور البعض وكما صوره ظاهر الاتفاقية- بل مثلت النقطة الأولى لبداية انطلاق مشروع استراتيجي يمتد لعقود من الزمن.
 

هذا المشروع الاستراتيجي مؤكد بأنه لم يكن وليد لحظة عاطفية أو تفاعلية أو انفعالية أو تقليد بروتوكولي أو مجرد نسخ لتجارب ومشاريع أخرى -كما حال المشاريع والخطط العربية-! وما يؤكد استراتيجية "سايكس- بيكو" اتفاقية لوزان 1923 م التي أذعنت فيها تركيا لشروط الحلفاء المنتصرين في الحرب والتي كان من أبرز بنودها التخلي عن نهج الامبراطورية أو الخلافة مدة سريان الاتفاقية والتي حددت ب "مائة عام قادمة".
 

الكيان الصهيوني الذي يحاول جاهدا طمس كافة معالم الحضارة العربية الإسلامية في كل فلسطين ومدينة القدس والمسجد الأقصى على وجه التحديد مدعيا زورا يهودية دولة بني صهيون ليلبس على العرب دينهم ويجعلهم يخوضون صراعات دينية طائفية ﻻ نهاية لها.

ومؤكد أيضا بأنها جاءت نتاج دراسات المنطقة العربية من نواحي عدة أبرزها:
– التركيبة الديموغرافية.
– القراءة الواقعية للأحداث التاريخية التي مرت بها المنطقة.
– إجراء معامل اختبار لنمط التفكير وعوامل والقوة ونقاط الضعف.

ودراسة جوانب أخرى ﻻ تقل أهمية في سبيل تحقيق الأهداف المرجوة منها والتي نقرأها اليوم من خلال المتغيرات التي حصلت أرض الواقع على مدى عقود من تطبيق هذه الاستراتيجية آخذين في الاعتبار ما صاحب التنفيذ من لعب أدوار وتبادل مواقع وتغيير مسميات، إضافة إلى المراجعة والتقييم المستمر، مجموعة الأهداف تجسدت في التقسيم الجغرافي للمنطقة العربية إلى دول قطرية.
 

ولكي يتحقق هذا الهدف كان لابد من توافر أدوات تنفيذ.. فأطلق "بلفور" 1917 م وعده المشؤوم لتحديد زمان ومكان نشأة بذرة التقسيم الأولى في المنطقة بعد أن استحضر كل ما تمثله "فلسطين" بالنسبة للعرب، فلم تغب الجغرافيا فالموقع الجغرافي مناسب لزراعة قنبلة التشظي.. ولم تغب الحضارة فالإرث الحضاري مناسب لانهماك العرب في ماضيهم يلوذون به فخرا وعزا تعويضا عن الانتكاسات ولهوا عن النظر في واقع الحال ومدعاة للتسلط والنزاع بين العرب. كما لم تغب الرمزية الدينية التي تؤسس لصراع دائم ومقدس يخوضه العرب مع الزعم الديني لدولة الكيان الصهيوني.

وفي سبيل تنفيذ الوعد انطلقت الحملات التغريبة من خلال ثقب الانتداب المفتوح تجاه قلب الأمة (فلسطين) والتهجير القسري والممنهج لسكانها. وأيضا لم يغب عن هذه الاستراتيجية ردود الفعل المتوقعة فتم التعامل معها ماديا بالحد من وسائل امتلاك القوة الرادعة ومعنويا بصناعة حالات الإحباط واليأس والتيه لدى الجماهير .وهو ما جعلها تنكفئ على ذاتها وتوجه طاقاتها نحو جلد الذات.

لم يكن اليهود في حاجة إلى إنشاء وطن قومي لهم بقدر ما كانت الحاجة لهم لتغطية وجود كيان صهيوني استيطاني استعماري يستدعي كل هذا التقسيم والتخلف والصراع ليبقى هو الدولة الكبرى والأقوى والمتقدمة والآمنة. ولم تكن استراتيجية "سايكس – بيكو" هي منتهى الأحلام الاستعمارية في العصر الحديث .بل خلق من رحمها مشاريع أكثر بؤسا على المنطقة العربية ستؤدي إلى تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ وتعميق الصراع في جذور التاريخ وإلباسه عباءة الطائفية.

فعلا استراتيجية بدأ التحضير لها في نهاية القرن الماضي عبر عنها المفكر الأمريكي صومائيل هينجينتون صراحة من خلال إطلاقه فكرة صراع الحضارات التي أثارت جدلا واسعا واستفزت العالم بأسره، ليس كونها فكرة صراع في عالم ينشد التعايش والسلام فحسب، وانما أيضا لإدراك العالم خطورة أن تكون الحضارات وقودا وبيئة للصراع وهو ما يعني صراعا طويلا وعميقا.
 

الفكرة لم تجد أكثر ملاءمة من البيئة العربية حيث تلتقي الحضارات مع مخزون العقل الباطن لصراع مقدس يتم استحضاره باستمرار . ومن هنا اختزلت الفكرة معلنة ميلاد شرق أوسط جديد كما زعمته كندليزا رايس وهي تنظر لخارطة الدم هكذا تم تسميتها علنا.

محاولة النهوض التركي بالمشروع الحضاري يستفز الغرب بكل قواه لذا نجد بأنه يتعرض كل يوم لمحاولات تشوية وتقويض؛ تشويه دولة الخلافة من خلال خلق صور نمطية سيئة لها مثل داعش وأخواتها.. وتقويض من خلال إعادة إنتاج فكرة الصراع داخليا وحضاريا.

لذا فكرة الصراع لم تجسدها أيا من شعوب الأرض سوى العرب والحضارات المتصارعة، لم ينظر إليها العرب إلا من منظار لم يتجاوز مداه الحضاري الطائفة الدينية وهو ما فتح شهية الدول المجاورة ذات المنظور الحضاري القومي إلى أن تصب مزيدا من زيت الطائفية على نار الصراع، كالذي تفعله إيران اليوم في جوارها العربي. عل ذلك يغطي على فكرة صراع الحضارات بحيث ﻻ يلتفت إليها كحضارة قومية فارسية فيتمردون عليها ويناصبوها العداء القومي الذي تضعف فيه سيطرة ولاية الفقيه على شيعة العرب.

الأمر ذاته الذي ﻻ يختلف كثيرا عما يفعله الكيان الصهيوني الذي يحاول جاهدا طمس كافة معالم الحضارة العربية الإسلامية في كل فلسطين ومدينة القدس والمسجد الأقصى على وجه التحديد مدعيا زورا يهودية دولة بني صهيون ليلبس على العرب دينهم ويجعلهم يخوضون صراعات دينية طائفية ﻻ نهاية لها.

لعل الفكرة ذاتها هي من استنهضت تركيا لتنظر أفقها الحضاري في المنطقة بعد انتهاء العمل باتفاقية لوزان في العام 2023 م، خصوصا بعد خيبة الأمل الكبيرة التي أصابت تركيا إثر عدم الوفاء بضمها على الاتحاد الأوروبي. محاولة النهوض التركي بالمشروع الحضاري يستفز الغرب بكل قواه لذا نجد بأنه يتعرض كل يوم لمحاولات تشوية وتقويض؛ تشويه دولة الخلافة من خلال خلق صور نمطية سيئة لها مثل داعش وأخواتها.. وتقويض من خلال إعادة إنتاج فكرة الصراع داخليا وحضاريا.