"لينكس" في مواجهة مايكروسوفت وأبل

البرمجيات الخبيثة في أيامنا هذه تترى، وآخرها الهجومُ الوبائي لبرمجيات "الفِدية" التي تقوم بتعمية (تشفير) ما على جهازك وإظهار رسالة تطالبك بدفع فدية لقاء فك التعمية وإلا فلن تتمكن من الوصول إلى بياناتك مجددا، ناهيكم عن آلاف الفيروسات والديدان البرمجية التي تعجُّ بين المستخدمين.
 

ما لا يعرفه جُلُّ المُستخدمين هو أن "قِلّةُ المناعة" هذه أو "داءُ نقص المناعة" وتعرض الحواسيب لهذه المخاطر الجمّة إنما تنتج بشكلٍ رئيسي عن ضعف نظام "النوافذ" (ويندوز) من شركة ميكروسوفت وهو النظام الذي تعتمده الغالبية من الناس. وما لا يعرفه جُلُّ المستخدمين هو وجودُ نظام تشغيل آخر أكثرُ آمنًا بكثير ولا تكاد تقدر أي برمجية خبيثة على اختراقه أو أذيته أو التغلغل فيه وهو فوق درجة أمنه العالية هذه نظامٌ متكامل الإمكانات والخصائص.

اسم هذا النظام العلمي هو "جنو-لينكس" (واختصارًا لينكس) وهو مبني على أعلى درجات الأمن والأمان والتي اكتسبها من انضباطه بمعايير "يونكس" الشهيرة والمعتمدة في الخوادم الكبيرة والاحترافية. وتوجد من هذا النظام عدة "توزيعات" (أو قل إن شئت نكهات أو إصدارات) أشهرها وأفضلها لأجهزة الحاسوب الشخصية وبلا مُنازع توزيعة فيدورا من شركة ريدهات العريقة. وتتميز فيدورا بدرجة أمان أعلى لاعتمادها منظومة الأمن التي انتجتها وكالة الأمن القومي الأمريكي، إذ قاموا بتطوير طبقة حماية قاسية تجعل من الصعوبة بمكان اختراق أو إصابة نظام فيدورا بالبرمجيات الخبيثة.

تجدون على نظام تشغيل فيدورا متجرًا ضخمًا ومجانيًا وآمنًا للبرمجيات فيه ما يربو على ٢٠ ألف تطبيق يُغطي معظم احتياجاتك العملية، فالبحث عن أي برمجية وطلب تنزيلها لا يحتاج سوى إلى لحظات.

وربما تتفاجؤون لو عرفتم أن مستخدمي هذا النظام لا يعرفون تطبيقات كشف وإزالة البرمجيات الخبيثة والفيروسات ولا يستخدمونها على الإطلاق نظرًا للتدابير الأمنية المُشددة التي يوفرها النظام. ولكن هنالك في جنو-لينكس وفيدورا بالتحديد ما هو أهم وأعظم من حصانتها ضد البرمجيات الخبيثة؛ فعلى خلاف أنظمة التشغيل الآخرى مثل نظام النوافذ من ميكروسوفت أو نظام أو أس ١٠ من أبل، فإن غنو-لينكس هو نظام تشغيلٍ حُر ومفتوح المصدر، بمعنى أنه لا يضع أي قيود على الطبع والتوزيع والاستخدام. ففي الوقت الذي يستخدم فيه الكثيرون برمجيات "مُقرصنة" لا يسمح أصحابها وشركاتها بالنشر والتوزيع إلا من خلال دفع المال وأخذ رخصة للاستخدام فإن نظام فيدورا ليس عليه أيٌّ من هذه القيود، بل إن أصحابه يُشجعون الجميع على استخدامه ونشره وبلا مقابل أو أجر أو تقييد.

إذا فنظام فيدورا هو نظامٌ مجاني، وهو أيضًا نظام حُر ومفتوح المصدر، بمعنى أنه يحق لجميع المستخدمين (وبالأخص التقنيين منهم) الوصول والحصول على النصوص المصدرية التي كتبها المبرمجون الأصليون ومن ثَمَّ مراجعتُها وتنقيحها والتأكد من خلوها من العثرات والعلل وحتى الأبواب الخلفية. ويمكن للمستخدمين المساهمة بتعديلاتٍ وتحسينات صَغُرَت أم عَظُمَت ويجري بعدها مراجعة تلك المساهمات وضمها للتطبيقات الأصلية، كما ويُرحب بالتبليغ عن العِلل أو المساهمة في تحسين التوثيق أو دعم المستخدمين الجدد. وهذا ما يُعرف في البرمجيات الحُرة بنموذج "كُرة الثلج المتدحرجة" وهكذا تطور نظام جنو-لينكس ونضج في الأساس، فقد قام عشرات الآلاف من المبرمجين والتقنيين بتحسين النظام ومراجعته آلاف المرات ليصل إلى ما وصل إليه من اكتمالٍ ونضج.
 

وقد حَدَت هذه الميزات الفائقة والحُريات بأن تبنت كبريات الشركات والحكومات في العالم غربه وشرقه استخدام نظام التشغيل الحُر جنو-لينكس. من روسيا إلى ألمانيا إلى تايوان إلى أمريكا الجنوبية. وهو النظام الأول عالميًا وبلا مُنازع في الخوادم فغوغل وفيسبوك وتويتر تستخدم البرمجيات الحُرة بشكلٍ أساسي لتقديم خدماتهم لمئات الملايين من المستخدمين ليحموا أنظمتهم من الهجمات الكثيرة التي يتعرضون لها من قِبَلِ البرمجيات الخبيثة ومحاولات استغلال الأبواب الخلفية والثغرات الأمنية. وللعلم فإن نظام أندرويد الشهير من غوغل والذي يُدير غالبية كبيرة من أجهزة الهاتف الخليوي والأجهزة اللوحية بُني على نواة لينكس ويستخدم البرمجيات الحُرّة بشكلٍ أساسي.
 

وتجدون على نظام تشغيل فيدورا متجرًا ضخمًا ومجانيًا وآمنًا للبرمجيات فيه ما يربو على ٢٠ ألف تطبيق يُغطي معظم احتياجاتك العملية، فالبحث عن أي برمجية وطلب تنزيلها لا يحتاج سوى إلى لحظات، كما ويوجد تطبيق يمكنه تشغيل الكثير من برمجيات نظام النوافذ (وليس كلها، ولا ننصح بذلك إلا للضرورة).

ومن جماليات نظام فيدورا هو إمكانية تجربته على الحواسيب الشخصية (سواء العادية أو حواسيب أبل) من خلال تنزيل ملف النظام من الموقع الرسمي على الشابكة (الإنترنت) إلى إصبع ذاكرة (تضعه في منفذ الـ يو أس بي) ومِن ثَمَّ تُجري الإقلاع من إصبع الذاكرة ذاك وستجد النظام كاملا متكاملا، إذا شئت تستخدمه بهذه الصورة أو إذا شئت (وهذا أفضل) قُمتَ بتنصيبه على حاسوبك الشخصي ويمكن تنصيبه على الحاسوب الشخصي جنبا إلى جنب مع نظام النوافذ أيضا فتقلع مِن أحدِهما وتستخدمه متى تشاء.

إذا لم تكن قد جربته بعد، فأنصحك بشدة بأن تجربه، تتوفر حاليا الإصدارة ٢٥ منه ولكنني أنصح بالانتظار حتى صدور الإصدارة ٢٦ في غضون شهرين أو أقل.

"مجتمع لينكس العربي" وهو مجموعة ناشطة من الشباب والمهتمين بدعم البرمجيات الحُرّة عامة ويقوم أيضا على توفير إصدارة من فيدورا اسمها "أعجوبة" بنكهة عربية جميلة.

وتذكر أن هذا النظام مقدمٌ لكم بالمجان ولا يوازيه في الأمن أي نظام تشغيل آخر، ويمكنكم التحقق من كافة مكوناته والنظر في نصوصها المصدرية ومراجعتها وأيضا تعديلها وتحسينها. وتُقدر كلفة انتاج هذا النظام ب عشرة مليارات دولار تُقدم لنا على طبق من ذهب. وفي المقابل فأنظمة مايكروسوفت وأبل هي أنظمة مغلقة مُحتكرَة، يحددون حقك في استخدامها ويمنعون عنك توزيعها حتى لو دفعتَ لهم ثمنها. ثم إذا استخدمتها بلا ترخيصٍ رسمي يُشبهوك بالمجرمين الذين كانوا يركبون السفن في الماضي ويستولون على السفن الأخرى غصبًا؛ فيطلقون عليك اسم "قُرصان". وأنظمة التشغيل تلك -وفوق كل ذلك- مليئة بالثغرات والأبواب الخلفية ولا يمكنك فعل شيء تجاه ذلك ولا يُسمح لك بالوصول إلى أصل البرمجية لتنظر فيها وتتحقق منها أو تصلحها؛ فهم بذلك كمن يبيعك سيارة وقد أحكم إغلاق المحرك فلا يسمح لكَ بفتح الغطاء ويحرمك من حق إصلاحها بل ولا يسمح لك بأن تعطي سيارتك لغيرك ليستخدمها. ولا أرد على تلك الأنظمة المغلقة إلا كما قال عنترة: ربَّ عَيشٍ أخفُ مِنهُ الحِمامُ.

ولا يفوتني أن أذكر "مجتمع لينكس العربي" وهو مجموعة ناشطة من الشباب والمهتمين بدعم البرمجيات الحُرّة عامة ويقوم أيضا على توفير إصدارة من فيدورا اسمها "أعجوبة" بنكهة عربية جميلة. ويجدر بالذكر أنني استخدم جنو-لينكس وفيدورا بشكلٍ حصري واحترافي منذ حوالي عشرين سنة. ويستخدمه كذلك أطفالي وزوجي.

نعم، قد تواجهك صعوبةٌ ما في بداية استخدام نظام تشغيل جديد وحتى الاعتياد عليه والتعرف على برمجياته. ولكن بالنظر إلى إيجابيات النظام فإنني أقول أنه يستحق أن نستخدمه وأن نتحرر من استخدام التطبيقات المُحتكرة من مايكروسوفت وأبل وأن نتحرر من الخوف الدائم من الاختراق والبرمجيات الخبيثة. أؤمن أن نظام تشغيلٍ حرٌّ خيرٌ مِن مُغلق ولو أعجبنا. 

________________________________________
المراجع:
مجتمع لينكس العربي
موقع فيدورا لينكس
موقع أعجوبة


حول هذه القصة

كشفت مايكروسوفت أمس الثلاثاء عن حاسوب محمول يحمل اسم “سيرفس” يعمل بنظام التشغيل الجديد ويندوز 10 أس, وفتحت المجال للطلب المسبق عليه على أن يبدأ شحنه منتصف يونيو/حزيران المقبل.

3/5/2017

استغل فيروس”أريد البكاء” ثغرة في أنظمة ويندوز، وأوقع مئتي ألف ضحية في 150 دولة، ويعود الفضل في وقف انتشاره عن طريق الصدفة إلى شاب بريطاني (22 عاما).

16/5/2017

استغل هجوم طلب الفدية “وناكراي” ثغرة في نظام ويندوز للانتشار بين شبكات الحواسيب رغم أن مايكروسوفت أصدرت تحديثا أمنيا لويندوز في مارس/آذار الماضي، فكيف تحمي حاسوبك من هذا الفيروس؟

16/5/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة