شعار قسم مدونات

حملة دينية ضد الفلسفة

blogs - لوحة
أستاذ العلم الشرعي، والمرشد الإسلامي الدعوي المغربي، السيد أحمد الريسوني الذي يتقلد صفة الخبرة الذاتية  في البحث والتنقيب داخل خزائن التراث الفقهي المقاصدي، طل علينا مساجلا خارج حلبة تكوينه التقليدي المغلق، مهاجما صرح الفكر الفلسفي صارخا: "الفلسفة مادة دراسية لنشر الإلحاد!".
ثم رأينا كيف زميله  السابق في الحراك الإسلامي الدعوي بالمغرب رئيس الحزب الحاكم السيد عبد الإله بنكيران سايره بنفس الانفعال الارتكاسي، هو غير الخبير بالمجال الذي يتحدث عنه، وأجج وأذكى بدوره من علاقة التوتر التاريخية، القائمة والعالقة سلفا بأذهان الإسلاميين المتشنجة، إزاء تلك المكانة المفترضة لاسم الفلسفة داخل المجتمع مع التشكيك بشدة في نفعها وجدواها لمسار التحولات الحضارية والمدنية الحديثة التي يشهدها نسبيا المغرب.

فزاد رئيس الحزب الحاكم ورفع من غلواء الهجوم (وللإشارة فهو زميل المرشد الديني أحمد الريسوني سابقا حين كان يتحكم هذا الأخير بقوة في تحركات الذراع الدعوي الناشط بكثافة داخل خلايا جمعية الإصلاح والتوحيد) مخلفا من ورائه هذه المرة، تصريحا جريئا وانتقادا دونيا في حق الفلسفة في معرض خطاب له أمام جموع مواليه قائلا: "المغرب ليس في حاجة للفلسفة". (هكذا!) 

بدءا الفلسفة رغم حذر الإسلاميين السياسيين منها، أحبوا أو كرهوا، سترسخ مصدرا ملهما وإكليلا على رأس كل العلوم، بما فيها تلك المتمسحة بشوائب بقايا الدين. ونبعا فكريا أصيلا لا ينضب.. فهي إذن ليست إلا مناورة أخيرة حاولوا كعادة الوثوقيين الدغمائيين المتمترسين خلف لواء النصرة الدائمة، لشعارات تقارير التربية الدينية الخاملة، المجلببة بمزق من هوية سلفية روحانية متشنجة، تسريبها في غزوة إعلامية خاطفة، مُطوقة بهالة من التواصل الإيماني الغيور، للتشويش أولا على القرار الملكي الأخير، المفاجئ والمتزن، الداعي بقوة لمراجعة كتب التربية الدينية وتنقيحها من مخلفات الفقه الأصولي المتزمت، وبدعة الكهنوتية غير الحميدة المضرة بعقول الشبيبة، والتي ليس لها أي شرعية سماوية. 

كأن كل هذا المنجز الضخم الذي أبدعه الفلاسفة المغاربة الحداثيون على اختلاف أطاريحهم الأكاديمية بجهد البحث وقلق الإشكال وعناء التفكير ما كان عليه إلا الوقوف عند سياج الفلسفة وتخومها والانحصار هناك والتزام الحياد.

نعلم سلفا، أن الفلاسفة التقدميين لم يسْلمُوا من النزعات الأصولية الهجومية التبخيسية التي ما زالت تسرح وتجول في مناخاتنا السياسية الثقافية بدون رقيب مند أواسط القرن الماضي تزامنا مع البروز السياسي لمجندي وممثلي رعونة الإسلام الحركي السياسي. فصارت الآن، كما توقعنا من مدة، تكتسح راهن الفكر وتتطاول أكثر فأكثر على المنجز الفلسفي الحداثي.

ولا يُتوهّم فيما صدر من الإسلامي السياسي السيد عبد الإله بنكيران، أن ذاك التصريح هفوة حُكم عابر مرّ مع الحماس السياسي المعهود في إرسال الكلام على عواهنه، أو أن القصد منه التنبيه فقط، للغبن الذي أصاب القطاع المكلف بتفعيل مشارع التكوين التقني والتأهيلي، والتشكي من حرمانه من الزخم المعرفي الكافي في التوجيه والحكامة.

أو كان تدخلا حكوميا مواتيا في حينه للتأشير فقط (بفوران خطابي مفتعل) على النقص الفضيع الذي طال -وما زال- التدبير في القطاع التعليمي التطبيقي الحيوي، المرتبط مباشرة بمشاريع تنمية الموارد البشرية الشابة وتحيينها. وبالتالي دراسة مواد ذهنية تجريدية غير تطبيقية كالفلسفة، لن يرفع من نسبة النمو المنتظرة داخل قطاعات الشباب المرهونة مستقبلا بإنتاج الثروة! 

بل هو استنساخ لسلوك تقليدي احترازي عريق مُسطّر في متون الفقه، يروم دوما تبخيس آليات المنطق والفلسفة ونزع عنها شرعية الاشتغال في الدين، فقها وعقيدة، واعتبار استعمالها وتفعيلها لدى البعض "في الحالات القصوى" مروقا وزندقة.

إن ما صدر منهما عنوة من ازدراء لدور ووظيفة الفلسفة في التنوير والتوعية، من الواضح بدون مواربة أنه انتقاص ذو خلفية إيديولوجية دينية فاقعة وتصفية لحسابات رمزية ماضوية إضطغانية وانتقامية؛ كأن الإثنان خلصا من وراء موقفهما المحترز والمتزمت، إلى أن أهل الفلسفة في المغرب (مثلا الجابري، العروي، الخطيبي، أركون..) لم يعد لصروحهم الفكرية النهضوية أي نفع أكيد أو قيمة مضافة، وكأنهم لم يصلوا فيما أنجزوه، من أبحاث وحفريات في التراث الأصولي وبآليات ومناهج نقدية حديثة تستقي عدتها من إبداعات فكرية فلسفية، إلى مستوى تلك الإحاطة الدقيقة بكل التفاصيل والحيثيات الثاوية داخل حتى علوم الدين (وخاصة فيما يسمى بنظرية المقاصد التي يزايدون بأصالتها وراهنيتها في تفعيل التجديد الديني داخل مجالسهم).

هجوم شرس وحملات شديدة على المنطق والمنطقيين الذين يتمرسون بصناعته البرانية المنحدرة من بلاد الشرك "اليونان" وتحريم تعاطيه وتعليمه والتحريض على من تسول له نفسه استنباته وإدخاله كآلة استدلالية.

وكأن كل هذا المنجز الضخم الذي أبدعوه الفلاسفة المغاربة الحداثيون على اختلاف أنماط أطاريحهم الأكاديمية بجهد البحث وقلق الإشكال وعناء التفكير المتواصل ما كان عليه إلا الوقوف عند سياج الفلسفة وتخومها والانحصار هناك والتزام الحياد المطلق إزاء التراث الديني والعلوم النقلية.

فخلفية هذا الانتقاد الهجومي غير المنصف والكسول فكريا، (لأنه لم يطّلع ويُدقّق بما يكفي من الأهلية العلمية التي تسمح بإصدار الأحكام بموضوعية) الصادر من الفقيه أحمد الريسوني وزميله الحركي الإسلامي السيد بنكيران.. تقوم على مواقف مشابهة مبثوثة في عتمات القرون الوسطى وبرزت مباشرة بعد انتهاء فترة تدوين علوم النقل من فقه وحديث وتفسير وفي ظل احتقان سياسي واجتماعي مُستعر كان فيه الكل، ومن منطلق أيديولوجي مذهبي معين يسُوس ويدافع عن بضاعته بقتالية لا تفتر، حتى بلغتنا شرارتها اليوم نحن ورثة أزمنة هذه المناطق المغبونة..

إذا هو انتقاص شبيه بمواقف مطبوعة بظاهرة نقض وتبخيس المنطق في التراث، شهد التاريخ الإسلامي منها أشكالا نجدها في متون بعض الأخباريين والفقهاء.. هجوم شرس وحملات شديدة على المنطق والمنطقيين الذين يتمرسون بصناعته البرانية المنحدرة من بلاد الشرك "اليونان" وتحريم تعاطيه وتعليمه والتحريض على من تسول له نفسه استنباته وإدخاله كآلة استدلالية بمقدمات وحدود تعين المجتهد في استنباط نصوص النقل (القرآن والسنة). وللتمثيل فقط نحيل على نموذجين: الفقيه ابن الصلاح وابن تيمية الحراني.