شعار قسم مدونات

تورم الذات العسكرية..

مدونات - الجيش المصري
لم أنزعج لوصف العميد متقاعد "محمد سمير"، المتحدث العسكري السابق، للشعب المصري بـ "الرعاع"، ولكن هالني أن يوصف ما كتب بـ "المقال"، مع أنه مجرد كلمات مرصوصة، لا ترقى لمستوى موضوع الإنشاء الذي يكتبه تلميذ في مراحل التعليم الأولى!
 

فعندما يحكم العسكر، فإنهم يتعالون على الشعوب بدون مبرر موضوعي، ربما يرجع "عفريت" الغرور الذي يتلبسهم، إلى أن طبقة الحكم التي تشكلت مع حركة ضباط الجيش في سنة 1952 خلفت طبقة "الأعيان"، و"الباشوات" ومن في حكمهم. وفي السابق، فإن الحكم العسكري كان يتحرك مدفوعاً بالعقد ومركبات النقص، التي جعلت رموزه ينكلون بمن كانوا سبباً في دخولهم الكليات العسكرية، وأول "باشا" تم تأميم ممتلكاته كان هو من توسط لعبد الناصر فأدخله الكلية الحربية، التي يعود الفضل لحزب "الوفد" في أنه فتح الباب لأبناء الفقراء لدخول هذه الكلية، وقد لقوا الوفديين جزاء سنمار بعد أن نجحت حركة العسكر "المباركة"، وكان كل هم القوم هو تغيب "الوفد"، وإبعاده عن المشهد، والتنكيل بقياداته، وهو حزب الأغلبية، الذي لو رشح حجراً لانتخبه المصريون، كما كان يقال!
 

إذا سمحت يوليو بالترقي الطبقي لأبناء الفقراء، بالالتحاق بالوظائف التي كانت ممنوعة عليهم من قبل، فإن الأنجال، وقد أصبحوا من طبقة الأعيان بحكم وظائفهم، أغلقوا الطبقة عليهم.

وقد فكر ثوار يوليو، في إغلاق نادي "الجزيرة"، الذي لم يكن يقبل إلا عضوية "الأعيان"، قبل أن ينتهي التفكير بالعسكر، إلى استبدال فكرة فتح الباب لعضوية الضباط بديلاً عن عملية الإغلاق، وبمقتضى هذا فقد رقى العسكر أنفسهم إلى هذه الطبقة، ليكونوا بديلاً لها، واستولوا على قصورها فيما عرف بقرارات التأميم والمصادرة، فليس صحيحاً أنهم سعوا لإزالة الفوارق بين الطبقات، وإنما الصحيح أنهم احتلوا هم موقع الصدارة في المجتمع، على النحو الذي ورد في كتاب المؤرخ الراحل حسين مؤنس: "باشوات وسوبر باشوات"، فإذا كانت ثورة يوليو ألغت "الألقاب"، وأنهت "الباشوية"، فقد أنتجت طبقة "السوبر باشوات" من هؤلاء العسكر!
 

وإذا سمحت يوليو بالترقي الطبقي لأبناء الفقراء، بالالتحاق بالوظائف التي كانت ممنوعة عليهم من قبل، فإن الأنجال، وقد أصبحوا من طبقة الأعيان بحكم وظائفهم، أغلقوا الطبقة عليهم، وشاهدنا كيف يُرفض تعيين من تخرج بتفوق في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، في وظيفة بالسلك الدبلوماسي، وجاء في أسباب الرفض، أنه "غير لائق اجتماعياً"، مما دفعه لإنهاء حياته، منتحراً، بأن ألقي بنفسه في النيل من فوق كوبري السادس من أكتوبر بالقاهرة!
 

واستمعنا لرئيس سابق لنادي القضاة، يسخر من أولئك الذين يريدون لـ "ابن الزبال" أن يلتحق بالنيابة العامة، بحجة تفوقه الدراسي. مع أن والد هذا القاضي لم يكن "لملوم باشا"، وإنما كان يمارس واحدة من المهن المتواضعة، إذ كان حلاقاً، ولم يكن يمتلك صالوناً يمارس فيه مهنته، ولكنه كان من الذين يمارسون المهنة في الهواء الطلق، وأجرتهم مما تنبت الأرض، أو رغيف خبز قد يستخدمه في القسم عليه، قبل أن يتورط ويأكله مدفوعاً بالجوع!
 

وإذا انقرض الإقطاعيون بسبب المصادرة والتأميم، فإن من احتلوا مواقعهم، عاشوا نفس إحساسهم بالتعالي، وأنهم فوق الشعب، ولم يكن غريباً والحال كذلك أن يصف المتحدث العسكري السابق الشعب المصري بـ "الرعاع"، فقد شاهد في الأعمال الدرامية القديمة التي كانت تصور نظرة "الأغوات" للمواطن المصري على أنه ليس أكثر من "فلاح خسيس"، وإن الإحساس بالتعالي، يكشف عن أزمة نفسية، كان العسكر يعبرون عنها، عندما يهتف ثوار يناير، ضد "أبو خمسين في المئة"؛ وهو هتاف يقصد أن من التحقوا بالكليات العسكرية ينقصهم التفوق العلمي، وهم متواضعون في الفهم والتحصيل الدراسي.
 

هذا الانهيار لم يبدأ مع تحول "محمد سمير" إلى كاتب، فقد بدأ في مرحلة جرى فيها الاستعانة بمن لا يجيدون الكتابة والقراءة، ليكونوا رؤساء تحرير للصحف الجديدة، فحرصوا على الاستعانة بمن هم على شاكلتهم ليصح الأمر هو تسويد صفحات.

لقد شاهدت كيف كان الضباط في ميدان التحرير إبان حكم المجلس العسكري ينزعجون للغاية من هذا الهتاف، واستمعت لأحدهم وهو منزعج لذلك، ويخبر من يهتفوا بأن هذا الكلام يغضب زملائه في الجيش، وقد قدم لهم البدائل بقوله: اهتفوا ضد المشير.. اهتفوا ضد حكم العسكر، لكن لا تهتفوا هذا الهتاف!
 

ولا شك أن هذا الإحساس بالأفضلية إنما يدفع صاحبه للتمادي في الإيعاز لنفسه وللآخرين بأن الأرفع، ويأتي وصف "الرعاع" لتأكيد هذا لنفسه قبل تأكيده للآخرين، وعلى قاعدة التغلب على العقدة، بوهم "تورم الذات"، تماماً وفق نمط: "أنا مش قصير قزعة.." ويلاحظ أن العميد متقاعد "محمد سمير" أرجع ظاهرة "الرعاع" إلى فشل منظومة التعليم المصري.. انظر من يتكلم!
 

ومهما يكن، فإن المزعج لي أن يتم امتهان المقال الصحفي على هذا النحو، الذي يجعل مما ينشر في أحد المواقع باسم وصورة العميد متقاعد "محمد سمير"، إنما هو من جنس المقال، وهو أمر كاشف عن انهيار مهنة الصحافة في مصر، وفي بلد كان المقال لا يكتبه إلا الكتاب الكبار، وكان الصحفي الذي يعهد إليه بكتابة المقال، هو ذلك الذي له قدم صدق في بلاط صاحبة الجلالة!
 

وإذ كنت قد كتبت المقال الصحفي مبكراً، فإنني أذكر في هذه الصدد، الأستاذ وحيد غازي، رئيس تحرير جريدة "الأحرار" الذي لم يصف ما أكتبه يوماً بـ "المقال"، وإذا كان قد ترك جريدة "الأحرار" في سنة 1994، وبعد أربع سنوات من كتابتي زاوية أسبوعية بشكل منتظم، فقد كان يصف مقالي بـ "الكلمة"، هل كتبت "كلمتك"، أين "كلمة هذا الأسبوع".. وهكذا!
 

ولا شك أن هذا الانهيار لم يبدأ مع تحول "محمد سمير" إلى كاتب، فقد بدأ في مرحلة جرى فيها الاستعانة بمن لا يجيدون الكتابة والقراءة، ليكونوا رؤساء تحرير للصحف الجديدة، فحرصوا على الاستعانة بمن هم على شاكلتهم ليصح الأمر هو تسويد صفحات، وإذا كان منهم من لم ينشغل بأن يكون له مقال يوقعه باسمه، فإن من بينهم من كان يمر بمرحلة مخاض، كلما كتب، وكان مقاله يتم عرضه على أكثر من فرد للضبط والصياغة حتى يكون صالحاً للنشر. وقد عرفنا رئيس المؤسسة الصحفية الكبرى الذي كان يتردد في الوسط الصحفي أن عدد كتابه أكثر من عدد قرائه!
 

في كتابه "بين الصحافة والسياسة" وصف محمد حسنين هيكل هؤلاء الضباط الذي قاموا بغزو الصحافة بـ "الوافدين" وقال إن مهمته كانت حماية الصحافة منهم!

إن العميد متقاعد "محمد سمير"، ليس حالة فريدة في التاريخ الصحفي المصري، ففي المرحلة الأولى لحكم العسكر، شاهدنا كيف قام بعض الضباط بغزو الحياة العامة، ومنهم من اشتغل بالصحافة ومنهم من عمل بالتمثيل. فقد عمل أنور السادات لفترة مسؤولا بجريدة "الجمهورية"، كما أن الضابط صلاح سالم أصبح نقيباً للصحفيين، بعد حل مجلس النقابة المنتخب، لكن من استمر من الضباط في العمل الصحفي أو الفني، اجتهد من أجل يكون جديراً بعمله الجديد، فنجح الضابط أحمد مظهر كممثل، تماماً كما نجح الضابط أحمد حمروش في أن يكون صحفياً محترفاً.
 

وفي كتابه "بين الصحافة والسياسة" وصف محمد حسنين هيكل هؤلاء الضباط الذي قاموا بغزو الصحافة بـ "الوافدين" وقال إن مهمته كانت حماية الصحافة منهم! بيد أن الملاحظ، أن هؤلاء تركوا العسكرية وانخرطوا في مهنهم الجديدة مبكراً، على عكس العميد متقاعد "محمد سمير"، الذي منحه عبد الفتاح السيسي رتبة اللواء قبل أن يحيله للتقاعد، ويعهد إليه بمهنة أخرى تتمثل في الإشراف على إحدى القنوات التلفزيونية المملوكة للسيسي "من الباطن". والحال كذلك فقد انطبق عليه، المثل الشائع: "بعد ما شاب ودوه الكتاب"، أي بعد أن بلغ أرذل العمر دفعوا به للتعليم التمهيدي!
 

وهكذا فلم تكن جريمة العميد "سمير" في وصفه الشعب المصري بـ "الرعاع"، لكن في أن يتجرأ على الكتابة، وفي اندفاع البعض لوصف ما كتب بـ "المقال"، وإن كنت لا أعرف الصفة التشريحية لما يكتب! فالجنين في بطن أمه يعلم أن هذا ليس "مقالاً"، فصاحبه ينتحل صفة الكاتب، تماماً كما انتحل عبد الفتاح السيسي صفة الرئيس! نحن في زمن انتحال الصفة!